اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حين كتب دانتي أليغييري «الكوميديا الالهية» لم يلاحظ وقوع أي صدام سياسي، أو طائفي في جهنم. هناك، رأى أناساً «لا يعيشون ولا يموتون». كلبنانيين، وقد تعدّينا في يومياتنا المعقول، وحتى اللامعقول، نقلنا صراعنا الى جهنم. مثلما أثرنا ذهول خبراء صندوق النقد الدولي، أثرنا ذهول ... الشيطان !

ربما الأكثر اثارة للذهول أننا نهلل، ونعيد انتخاب من قادونا بأسنانهم الى جهنم. حتى نحن لا ندري أي نوع من البشر نحن. حيناً نراقص القمر، وحيناً نراقص القمامة (يا أعزاءنا الجرذان !) . الجانب السريالي من المشهد، أن هناك في الغرب من يرصد باهتمام ما يمكن أن تأتي به صناديق الاقتراع. هل يمكن للقبور أن تنتج سوى الموتى؟

حتى زيارة البابا فرنسيس، بالشخصية الفذة، البعيدة عن بهرجات وتعقيدات الدنيا ، حوّلناها الى «اشكالية بروتوكولية» لتبدأ الكوميديا اياها، التراشق بالحجارة. هل كان ظهور السيد المسيح بحاجة الى اجراءات بروتوكولية، وقد أصبحت الأديان جزءاً من لعبة السوق؟ جورج سوروس، اليهودي، رأى في «وول ستريت» «هيكلنا المقدس». ديفيد روكفلر وصفها بـ «كاتدرائيتنا الكبرى».

عندما انتخب خورخي ماريو بيرجوليو، الآتي من أنين الحفاة، حبراً أعظم، كتبت «لا تدع الله يستريح». لتكن ولايته ورشة لاعادة تأهيل الكائن البشري وسط تلك الفوضى الأبوكاليبتية التي أحدثها صراع الأمبراطوريات. تمنيت عليه النظر الى منطقتنا التي يقال أن جميع الأنبياء حلوا فيها (هل لكي تتحول الى حطام لاهوتي ؟) على الأقل لأن دماءنا، أزمنتنا، ثرواتنا تذهب هباء.

تيار دو شاردان قال «لعل العالم بات بحاجة الى عودة السيد المسيح «، قبل أن يسأل ما اذا كان قد بقي طريق للخلاص وسط صراع المصالح، وصراع الأنانيات ...

نتوقف عند كلام للأسقف الجنوبي أفريقي جون كالاهان حول «ضرورة أن يعي البشر بانفسهم». هذه مشكلتنا في لبنان. أن نعي بأنفسنا بدل أن نبقى الفقاعات على سطح هذا المستنقع، أو أن نبقى الحطب في مخازن جهنم .

كل شيء يشي بأن الجدران (أو السواتر الترابية) ارتفعت كثيراً بين الأفرقاء اللبنانيين على أنواعهم . أي حل داخلي مستحيل في ظل المنظومة الحاكمة، ودون أن يكون بالامكان الرهان على سلطة بديلة.

في هذه الحال، ماذا يمكن أن تفعل زيارة البابا للحد من صراع الكراهيات بين المسيحيين والمسيحيين، وبين المسلمين والمسلمين؟ من غير الحجاج بن يوسف أو هولاكو يستطيع التعامل مع تلك الرؤوس العفنة؟

الآتي الينا هو البابا الذي يشبه آلامنا، كما يشبه أرواحنا الجميلة أيام زمان، وليس مكيافيلي، وقد تجاوزنا بزبائينتنا، وبشبقنا للسلطة، كل الخطوط الحمر، الساحة السياسية والطائفية حلبة لتبادل التفاهات. تفاهاتنا، بالدرجة الأولى، ثم تفاهات أولياء أمرنا؟

الحبر الأعظم يمتلك رؤية بانورامية، لتفاصيل التراجيديا اللبنانية. ولكن يحق لنا التمني عليه أن يجعل من الزيارة مناسبة لحثنا على الوعي بأحوالنا بعدما أوغلنا في ثقافة الفرقة، وفي ثقافة التبعية. كل الرياح، وكل الأهواء، بل كل الأيدي الغليظة تعبث بنا.

لعل صاحب القداسة اطّلع على رأي الاليزيه في ساستنا. تماثيل الملح (أم تماثيل الشمع؟) التماثيل الصدئة التي (والكل يلاحظ) تتعثر عند أي خطوة لانقاذ ما يمكن انقاذه من جدران القسطنطينية.

أحد الأقطاب ارتأى أن يعيد اللبنانيون النظر في طريقة حياتهم. هو طبعاً، من عشاق الكافيار وربطات العنق الفاخرة، ولن يتخلى لا عن الكافيار، ولا عن ربطات العنق الفاخرة. ولكن كيف يغيّر طريقة حياته من لا يستطيع أن يحصل على سندويتش الفلافل، ومن لم يعد يمتلك حذاء للخروج الى الشارع، والبحث عن لقمة العيش؟ ها أن أبواب التسوّل على الطرقات مفتوحة على مصراعيها .

ألسنا دولة التسوّل؟ لو كان لدينا رجال دولة لكنا الفردوس الاقتصادي والمالي بالامكانات التي لدينا. ولكن ألم يقل القرآن (وربما الانجيل أيضاً)، «ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة»؟ كيف الحال اذا كان الملوك هنا ملوك الطوائف، واذا كانت القرية هنا مغارة علي بابا؟؟ 

الأكثر قراءة

المجلس النيابي الجديد امام خطر التعطيل المتبادل والتغيريين «بيضة قبان» اذا توحدوا؟ توازن نيابي بين «القوات» و «التيار».. وحزب الله يحذر «خصومه» من حسابات خاطئة «الطريق» غير «معبدة» امام الحكومة والاستحقاق الرئاسي بانتظار «التسوية» الاقليمية