اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

جنين – فلسطين المحتلة

لحوالي ربع قرن من الزمان عرف الفلسطيني ومعه العالم تلك الفتاة الطيبة والصحافية الجريئة، ذات الخفر والحياء وشيء من الملامح الطفولية البريئة، والتي شكلت جزء مهم من وعي جيل ربي معها ومع تقاريرها ومطاردتها للاحتلال وعساكره و مستوطنيه ، هذا الجيل الذي يقاوم في عملياته الفدائية و في رباطة بالمسجد الأقصى و اشتباكه مع الاحتلال في منعرجات درب الآلام تأثر بشرين بما يفوق تاثرة بثرثرة قيادات و استنكار و إدانات تنظيمات، لقد كانت غب الطلب، حاضرة حيث يجب أن تكون .

مخيم جنين و سكانه الذين ينتظرون قرع أجراس عودتهم التي طالت يعرفون شيرين و تعرفهم،  كثير منهم ارتبط معها بعلاقة حميمة و مثال على ذلك تلك الحجة ( السيدة ) التي ظهرت على الفضائيات و قالت : كانت شيرين عام 2002 و عقب معركة المخيم الشهيرة تبحث معي عن أبنائي بين أنقاض المخيم ، هذا المخيم الوفي يملك ذاكره لا تخون ولا تنسى ، لم يسمح لجثمان شهيدته بمغادرة المدينة إلا بعد تشييع عاطفي و وطني لائق ، و جنازة طافت أزقة المخيم و شوارع المدينة شارك بها الألوف بمن فيهم النساء و الأطفال على غير ما جرت العادة ،و عند مغادرة الجثمان المدينة وقف أهل كل قرية على الطريق الرئيس بانتظار الموكب الجنائزي ، يودعون شيرين بالورد و الدموع الحرى ، انزل الشبان جثمانها في بعض القرى و طافوا به، من رأى هذه المشاهد و تحسس تلك العواطف ليدرك أن أهل فلسطين يبحثون عمن يجمعهم كما كانت تفعل شيرين ، في زمن تتكاثر فيه جراثيم التجزئة و الانقسام .

الأربعاء الماضي كانت شيرين حيث تحب أن تكون في مخيمها الحبيب، و لكن في وقت ملتبس،  لم يكن في حسبانها أن جريمة مكتملة الأركان قد أعدت بليل بهيم لتنال من براءتها و صدقها و خفرها , كانت في إجازتها الأسبوعية، لكن مكالمة هاتفية من شقيقها طوني المقيم في الصومال قد أفرحتها بلقائه يوم ألجمعه حيث تكون على رأس عملها , فاستبدلت يوم عملها بيوم الأربعاء لتكون بجانب طوني , وازنت شيرين بين واجبها المهني و عاطفة الإخوة و لكن رصاصة الغدر كانت لها بالمرصاد .

مع قدوم الربيع الزائف قبل عقد من الزمن و انخراط القناة التي تعمل بها شيرين في مشروع تدمير الشام،  و ما رافقه من تزوير تقارير ملفقه و ابتذال إعلامي ، انخفض عدد متابعي تلك القناة ، ثم مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية أخذت القناة موقفا إلى صالح أوكرانيا لا بل أصبحت و كأنها الناطق باسمهم فيما المزاج العام في الجهة ألمقابله  و لعل ذلك أمر من الممكن فهمة بالسياسة على أن القناة أداة بيد الحكومة القطرية التي بدورها أداة بيد الإدارة الأميركية  اليوم من سوقتهم تلك القناة يعتبرون الترحم على شيرين مخالف لشرعتم و هم من نصب نفسه شريك لمن لا شريك له و يحددون مكان تبؤ شيرين أبو عاقله مقعدها من الجنة و النار .

الغرب المنافق تأخر في اعتبار اغتيال شيرين ليس حدثا عابرا  و هي تحمل الجنسية الامريكية  لعل الفضل يعود إلى مجموعه من صحافيي بلادنا المقيمين في الولايات المتحدة و الذين كان لهم دور في إحراج الخارجية الأميركية لدرجة جعلت الناطق باسمها يلمح إلى أن محكمة الجنايات الدولية قد تكون المآل الأخير لهذه المسالة و لمعاقبة مرتكبيها، فيما لو تركت المسالة للواقع المحلي و للطريقة التقليدية المتبعة فلن يكون مصير التحقيق بأفضل من مصير التحقيق باغتيال ياسر عرفات الذي مضت على رحلة ثمانية عشر عاما و التقرير لا يزال قيد الإعداد .

تجاوزا لمشاعر الحزن والأسى، يطرح الفلسطيني السؤال المهم : لماذا ارتكب الاحتلال هذه الجريمة كاملة الأركان بحق شيرين ، المعلومات الميدانية تشير بما لا يدع مجالا للشك، أن الجريمة ارتكبت بقرار من مستوى رفيع لا باجتهاد من جندي صغير أو ضابط وحدة قتالية ؟ لا زال الجواب غير جاهز و لكن بعض منا يرى في ذلك رسالة أراد الاحتلال إيصالها للمخيم و للصحافة، أن اجتياح قادم للمخيم، و لا محرمات أمام جيش الاحتلال بدليل استعداده لارتكاب هذه الجريمة .

وداعا شيرين ، ذكراك ستبقى حية ، روحك وديعة في ذمة المخيم الذي احبك و احببتيه .