اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كان يلقب بـ "نفط لبنان"، وفجأة تحوّل إلى قطاع مهدّد بالانهيار.هو قطاع الإتصالات الذي يضم التعرفة الأعلى عالميا للخدمات الأدنى فعالية.

على إثر النكبة الإقتصادية التي تزامنت مع جائحة كوفيد-19 أصبحت الإتصالات والإنترنت المنفذ الوحيد أمام اللبناني للتكيّف مع الواقع المعيشي الصعب الذي وجد نفسه فيه، إن كان على مستوى قطاعي العمل والتعليم وسواهما ، فيما اليوم يتّم تدريجيا إغلاق هذا المنفذ في أبشع صور الإبادة الجماعية لأيّ أمل بعيش كريم.

يشار إلى أنّه منذ بداية نكبة العام 2019، بدأ قطاع الإتصالات بالإنهيار تدريجيا إلى أن أصبح اليوم على شفير الهاوية، وأسئلة تطرح: ما حقيقة ما يحدث وكيف اختفت ملايين الدولارات التي كان يدرّها القطاع الأغلى في لبنان؟

مبنى لموظفي" Touch " بـ 70 مليون دولار

وزير الإتصالات السابق المهندس جون لوي قرداحي الذي شغل منصب وزير الإتصالات بين عامي 2000 و2005 يؤكّد لـ"الديار" أنّ انهيار قطاع الإتصالات بدأ منذ ما قبل أزمة تشرين الأول 2019 ، كاشفا أنّه منذ عام 2007 حتى عام 2019 وتحديدا من بعد انتخابات 2018، استخدم هذا القطاع لتمويل أعمال سياسيّة وتوظيف أشخاص غير مناسبين وصرف أموال طائلة بشكل غير مناسب، ذكر منها مناقصة إمدادات الإنترنت التي كلّفت لبنان مليارات الدولارات وتحديدا في بيروت الكبرى، وفي حين أنجز 10% من الأشغال الملحوظة كان الدفع 100%، والسبب أنّ دفاتر الشروط كانت مضّخمة وحدثت عملية سرقة ممنهجة بمئات ملايين الدولارات، من خلال شراء معدّات وأبنية ، فقد تمّ شراء مبنى لموظفي" Touch " في وسط بيروت بـ 70 مليون دولار، وكأنّه لا يمكن تأمين سكن لهم إلّا حيث أغلى متر مربع في العالم، في حين تملك الدولة أراض على كورنيش النهر والضبية وأماكن أخرى، وكان بالإمكان بـ 3 أو 4 ملايين دولار إنجاز بناء إداري سريع.

"من بعد ما فليت ما حدا عمل شي"

بشائر إنهيار قطاع الإتصالات كانت واضحة قبل بداية الأزمة الكبرى في تشرين الأول 2019، وفق قرداحي وذلك نتيجة الفساد السياسي والمالي من خلال تعيين أشخاص غير مسؤولين في الإدارة وليس لديهم رؤية أو نهج عمل جدي، مضيفا:" من بعد ما فليت من قطاع الإتصالات ما حدا عمل شي.. في منهم ما عملوا شي أبدا وفي منهم عملوا بشكل سيء خاصة في سنوات 2016-2017-2018-2019 وكان العمل غير مقبول وسيء جدا".

أهم ممّول بعد الـ TVA

يذكر أنّ إنجازات عديدة تحقّقت أثناء تولّي قرداحي وزارة الإتصالات أدّت إلى النهوض بالقطاع ووصوله إلى أفضل حالاته عام 2005 ، منها تحسين الإدارة، ووضع رؤية واستراتجية للقطاع سنة 2002 وافق عليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والحكومة، وتمّ العمل على إصدار قانون مطابق لهذه الرؤيا في المجلس النيابي، وإصدار أغلب المراسيم التنظيمية، ومنع الهدر وحصر المداخيل في الإدارة العامة لمديرية الإستثمار والصيانة وأصبحت وزارة الإتصالات هي أهم ممّول للدولة اللبنانية من بعد مدخول TVA.

كما أنشأ قرداحي ماركتي "تاتش" و"ألفا" التي تملكهم الدولة وشركة mobile interim company، و 2mic -1 mic، ونقل كلّ ممتلكات هذه الشركات للدولة التي أصبحت تملك كل شيء عبر هذه الشركات.

القطاع أساسا ملك الدولة

تجدر الإشارة إلى أنّه في عام 2020 قرّرت الدولة إسترداد إدارة قطاع الخلوي، فيما يعتبر قرداحي مثل هذا الكلام نوعا من السخرية، فالشركات المذكورة هي ملك للدولة اللبنانيّة ملمّحا إلى أنّ ما جرى حينها هو أنّ الإدارة كانت قد لزّمت مشغّلا لديه خبرة وقدرات وأنّه تمّ التخلّص منه لا أكثر ولا أقل، لافتا إلى أنّه ( قرداحي) كان قد حدّد سقفا لمبلغ الإدارة لكلّ شركة من شركات الخليوي بحدود 3 إلى 4.5 مليون دولار شهريا، وما جرى هو تطيير هذا السقف على حدّ وصفه لتصل المبالغ إلى 7 و8 وأحيانا 10 مليون دولار شهريا لكلّ شركة، وهكذا كان يسرق القطاع.

قرداحي الذي وضع الإطار التنظيمي لقطاع الإتصالات حينها، أوضح أنّ القطاع لا يشمل فقط شركتي الخليوي فهو أيضا "ليبان تيليكوم"، وهو ثالث مشغّل خليوي، وهو تنظيم الإنترنت ASP.NET، الخدمات، وهو كلّ شيء يتعلق بالكابلات البحرية ساتيلات وسواها التي تملكهم الدولة.

" من بعد ما عملنا كلّ شي ...قالولنا مع السلامة..."

غادر قرداحي القطاع وكما عبّر:" من بعد ما عملنا كلّ شي من إعادة تنمية القطاع ووضع رؤية واضحة قالولنا مع السلامة...لانه صرت مزعج وما عاد فيهم يتحركوا بالقطاع كما يريدون.."، مشيرا إلى أنّ المعنيين "استلموه وتدريجيا بعد 12 عاما من سوء الإدارة رجعوا سرقوه"، لافتا إلى أنّهم اليوم لا يعرفون كيفيّة الخروج من المشكلة التي أوقعوا أنفسهم فيها، كاشفا أنّه عرض على رئيسي الجمهورية والحكومة عام 2019 خطة لإعادة النهوض بالقطاع ولكن لم يلق أيّ تجاوب.

"لا يمكن الخروج من المأزق من خلال التعرفة فقط "

تتوالى الهواجس الشعبيّة اليوم من انهيار كلّي لقطاع الإتصالات والإنترنت، وبالتالي تعطّل مصالحهم، في ظلّ جو يوحي بأنّ انعزال لبنان عن العالم بات وشيكا، فهل هذا دقيق علميا وواقعيا؟

يحتمل قرداحي أن يتوقّف القطاع عن العمل إذ لا يمكن أن يكمل بخسارة إلى ما لا نهاية، كما لا يمكن الخروج من المأزق من خلال التعرفة فقط كما يقترح الوزير الحالي، فما يلزم اليوم هو وضع خطة ورؤية مستقبلية تنهض بالقطاع وتُدخل رساميل إلى البلد وتفتح باب التوظيف سواء في الشركات أو من خلال فتح باب لأنشطة جديدة منها " Call Center" (مركز الإتصالات) في العالم، فاللبنانيون يتحدّثون لغات كثيرة، ولديهم مستوى تعليمي عال، وهذا يدخل موارد من الخارج إلى لبنان، متسائلا لماذا لا يكون لدينا Call Center في لبنان؟

جازما في المقابل أنّه لا يتّم إصلاح القطاع بالتعرفة أو المراسيم، بل من خلال شخص لديه رؤيا يضع القطاع على خطّ النمو والحداثة كي نفتح مجالا لمداخيل من خارج لبنان، وأيضا تطوير كلّ ما يسمى بالشبكات البحرية والفضائية وحصص لبنان في Arab Sat وغيرها، وعلّق:" للأسف بيجيبوا وزراء إمّا ينهشوا البلد أو يسروقوا أو يضحكوا على العالم بشي مرسوم أو تعرفة مش هيك بينهض القطاع!".

هل يمكن الحل وما العائق؟

قرداحي يجدّد التأكيد على أنّه لا بدّ من إعادة وضع استراتيجية متكاملة نشيطة وجدية للقطاع وفق الرؤيا الأساسية التي وضعناها منذ 20 عاما مع البنك الدولي، لافتا إلى أنّه على مدى كلّ هذه السنوات لا يراد تطبيق هذه الرؤيا، لافتا إلى أنّ الرئيسين ميقاتي وعون يعرفان ذلك ومن هو صاحب الكفاءات، لكن العائق الأساسي لغاية اليوم أمام إعادة النهوض هو الرغبة السياسية بعدم النهوض، وليس لأنّ لا إمكانيّة لدينا، فهناك إمكانيات ووسائل لكنّها تحتاج معرفة وشجاعة ورؤية وصلابة، معتبرا أنّ الخيارات التي يقومون بها بتشكيل الوزارات لا تسمح بتعيين أشخاص على مستوى التحديات المطلوبة في هذا الزمن.

هل الإنقطاع وارد في هذه الإدارة؟

الإنقطاع وارد وفق قرداحي فهذه السلطة السياسية لا رؤية لديها، ولا تريد أن تعالج الأمور قبل أزمة الإنقطاع، مشدّدا على أنّه لا يجب أن ننظر لهذا القطاع على أنه فقط شركتا خليوي، فهو يشتمل على كثير من الأيدي وإمكانيات العمل غير "ألفا وتاتش" و"ليبان تليكوم" والكابلات البحرية وشركات الخدمات والإنترنت..إلخ، إذ لديه الإمكانية أن يفعّل ويفتح الباب أمام أمور جديدة خاصة اذا أضفنا إليه قطاع المعلوماتية، وختم:" نحن ذاهبون الى أزمة ما لم تشكل حكومة سريعا من كفاءات صلبة وشخصيات مستقلّة تنهض بالبلاد".

خلاصة القول...

مما لا لبس فيه أنّ إصلاح قطاع الإتصالات وسواه من قطاعات لبنان مرهون بالرغبة والإرادة لدى الطبقة السياسيّة، والمستغرب أنّ هذه الطبقة بذاتها تنادي بالإصلاح فيما تنتفي لديها الرغبة، ليكون مصير البلاد كأحجية يستحيل حلّها!

الأكثر قراءة

لا تغيرات كبيرة في المشهد الرئاسي اليوم... والعين على موقف باسيل عطب كبير يصيب «الحزب» و«التيار»... وبري وميقاتي وجنبلاط لن يتراجعوا الراعي يلتقي ملك الاردن ويوجه كلاما لاذعا الى المسؤولين اللبنانيين