اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا دستوريّة لخطّة الحكومة للتعافي.. وإقرارها يحتاج تعديلا دستوريا

لا نعلم بأية ظروف أقرّت الحكومة اللبنانية خطّتها «للتعافي»؟ ولا نعلم ما هي المعايير التي إعتمدتها لتسمية هذه الخطّة بخطة تعافي؟

عدّة نقاط تبرز عند البحث في هذه الخطّة وعلى رأسها المسّ بالودائع (بغضّ النظر عن آلية أو شكل المسّ!). هذه الودائع التي تملك قدسية مُعطاة لها في مُقدّمة الدستور اللبناني، يتمّ الحديث عنها كأنّها أرقام يتم الخصم منها وتقسيط بعضها الأخر... كأنها عملية تركيب أرقام فقط، يتغنّى المدافعون عن هذه الخطّة بإظهارها بأجمل الجداول، وكأن شكل هذه الجداول وجمالها يُعطي الحكومة الحق بالمسّ بالودائع متناسين تعب وجهد ملايين اللبنانيين.

لا ندّعي إمتلاك كل المُعطيات التي تمتلكها الحكومة عند أخذها لهذا القرار، إلا أن الأكيد أن هناك عددا من المُسلّمات لا يُمكن التغاضي عنها مهما كانت الظروف ومهما كانت المعطيات:

أولًا – الودائع لها قدسية وهذه القدسية نابعة من الدستور وأي مسّ بها (أي الودائع) يعني أن هناك إلزامية لتعديل الدستور حيث أن كل القوانين التي قدّ تصدر في هذا الشأن هي قوانين مخالفة للدستور.

ثانيًا – التمييز بين المودعين (حسابات فوق المئة ألف دولار أميركي وحسابات تحت المئة ألف دولار أميركي) هو تمييز مُخالف للدستور، فكل اللبنانيين سواسية أمام القانون ولا يُمكن التفريق بينهم إلا من خلال مخالفتهم للقوانين. وبالتالي أي مودع أو مسؤول أو شخص يخالف أو خالف القوانين المرعية الإجراء هو موضوع ملاحقة قانونية منصوص عليها في القوانين اللبنانية ولهيئة التحقيق الخاصة القدرة والصلاحيات على ملاحقة أمواله وتجميدها وسوقه أمام العدالة.

ثالثًا – الوعود التي يُطلقها المعنيون بإعادة أموال المودعين لذوي الحسابات التي تقل قيمتها عن المئة ألف دولار أميركي والمُقدّرة ما بين 14 و20 مليار دولار أميركي، هي وعود في الهواء. فالكل يعلّم أن لا قدّرة على سدّ هذه الودائع بفترات زمنية معقولة، إلا إذا كان هناك إصلاحات جوهرية تطال الإقتصاد ومالية الدولة وهو ما لا تحويه خطة التعافي. أو قد يكون طرح بيع الذهب هو الحل السحري الذي توصّلت له الحكومة!!!

رابعًا – كيف للحكومة أن تُصادر الحسابات التي تتخطّى المئة ألف دولار أميركي (في الواقع تُريد تحويل هذه الودائع إلى أسهم في مصارف ستُصادر الحكومة رأسمالها!!!)؟ ما هو مصير الشركات والمصانع والمزارعين والتجار والمستشفيات والجمعيات الخيرية... هذه المصادرة تعني بكل بساطة وقف كلّي للإقتصاد وبالتالي تُصبح الخطة خطّة وقف الإقتصاد!

خامسًا – كيف يُمّكن للحكومة تناسي حق المودعين بالإحتياطات الإلزامية والتي هي حصريًا من أموال المودعين وملكًا لهم وهي تقع تحت القانون الخاص ولا يُمكن المسّ بها. هل هناك من نيّة لدى الحكومة للاستعانة بهذه الأموال في المرحلة المُقبلة؟ بالطبع هذا مُخالف للقانون حتى ولو أخذ مجلس الوزراء قرارًا بإٍستخدام هذه الأموال.

سادسًا – كيف يُمكن للبنان أن يأمل في المستقبل، تلقّي ودائع إذا ما تمّت مصادرة الودائع الحالية؟ في الواقع لن تقوم قائمة لإقتصاد هذا البلد إذا ما تمّ مسّ قرش واحد من هذه الأموال. ولا حتى رعاية صندوق النقد الدولي والثقة التي سيُعطيها للدولة اللبنانية ستكفي لمحو هذه الجريمة بحق الإقتصاد الحرّ.

سابعًا – رأسمال المصارف هو بالدرجة الأولى لحماية الودائع (Cooke Ratio)! وبالتالي بمصادرة رأسمال المصارف، يتمّ ضرب الودائع بالصميم! فكيف يُمكن للحكومة التي تريد المحافظة على الودائع أن تُصادر رأسمال المصارف؟ وكيف لها أن تمسّ بملكية خاصة؟ في الواقع إنها عملية تأميم للمصارف ستكون تداعياتها الحتّمية القضاء الكلّي على أي قطاع مصرفي سيتمّ إنشاؤه لاحقًا!

ثامنًا – أي مس بالملكية الخاصة سيمنع أية إستثمارات مُستقبلية نظرًا إلى أن المستثمر المُستقبلي المُحتمل سيتخوّف من أن تعمد أي حكومة لاحقًا إلى مصادرة أمواله عند أول مشكلة تعترض الدولة اللبنانية عملًا بمبدأ السوابق الذي تستخدمه السلطة السياسية بشكل مُفرط.

تاسعًا – كيف يُمكن للحكومة أن تقوم بتوزيع «الخسائر» من دون أن تعترف بدينها العام (لا نعلمّ من سيجرؤ على شراء سندات خزينة في المستقبل) أقلّه أن تقول للشعب اللبناني أين تمّ صرف هذه الأموال؟ أين هي قطوعات الحساب منذ العام 2004 وحتى العام 2020؟ أين هي الـ 27 مليار دولار أميركي «المجهولة المصير» في حسابات الدولة اللبنانية؟

عاشرًا – أين هي سيادة القوانين ؟ هل تمّ تطبيق المادة 112 من قانون المحاسبة العمومية ولو لمرّة واحدة؟ أين هي قطوعات الحساب؟ أين هي تقارير ديوان المحاسبة؟

من كل ما تقدّم، نرى أن استسهال المسّ بأموال المودعين هو خطيئة كبيرة ترتكبها الحكومة وهي التي يتوجّب عليها القيام بكلّ ما يلزم لضمان هذه الودائع والمحافظة على قيمتها (سواء كانت بالليرة اللبنانية أو بالدولار الأميركي).

ويبقى السؤال الجوهري: الكل يعلم أن الثلاثة مليارات دولار أميركي التي سيقترضها لبنان من صندوق النقد الدولي، لن تكون كافية للخروج من الأزمة. هل تعتقد الحكومة أنه بمجرّد توقيعها الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، ستتهافت رؤوس الأموال إلى لبنان؟ من السذاجة الإعتقاد أن هذا الأمر سيحصل! فعلى ماذا إذا تتكل الحكومة؟ هل هناك وعود من قبل المُجتمع الدولي لتلقّي أموال؟ في الواقع المخاوف تطال الثمن السياسي في مقابل تلقّي هذه الأموال.

الأكثر قراءة

ميقاتي الى حكومة «رئاسيّة» جامعة.. و «الوطني الحرّ» و «القوات» سيُشاركان فيها الدولة تتحلّل والمواطن يُعاني.. والصراع على الحصص الحكوميّة مُستمرّ إتجاه لمُوظفي «المركزي» الى الإضراب المفتوح.. وخطر على معاشات القطاع العام