اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يستمر المواطن اللبناني بتلقّي الضربات، ولم يكد يستيقظ من صدمة التعرفة الجديدة للإتصالات، حتّى يبشّر اليوم بقرار رفع الدولار الجمركي الذي وإن لم يطال السلع الأساسيّة حسب ما يرّوج مشرّعوه، إلّا أنّ هناك سلعا ضرورية يشملها، في ظلّ غياب تام لتحديد معايير السلع الأساسية والكمالية، وانعدام الرقابة الرسمية.

وعلى وقع انتظار الأرقام النهائيّة لموازنة العام 2022، تسللت مؤخرا إلى الإعلام تسريبات لمصادر غالبا لا يصرح عنها، حول رفع الرسم الجمركي بأرقام غير نهائيّة تفاوتت بين 8000 ليرة وصولا إلى سعر «صيرفة»، ليستحوذ هذا الرفع مهما كان حجمه على ما تبقى من قدرة المواطن الشرائية.

فيما لم يحصل ما أوردته كذلك وسائل إعلامية عديدة بأنّ الجلسة النيابية العامة لدرس وإقرار الموازنة التي عقدت مؤخرا سترفع الدولار الجمركي لنحو 12 ألف ليرة كمرحلة أولى، فقد اتفق مجلس الوزراء في جلسته أمس ( 16 آب) على إقرار الدولار الجمركي بسعر 20 الف ليرة.

وفي هذا الملف أوضح وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم أنّ قرار رفع الدولار الجمركي لا يحتاج تصويت الحكومة، وقد أبلغ وزير المالية الوزراء بوجود صلاحية استثنائية تمكنه من تعديل قيمة الدولار الجمركي، بالتفاهم مع حاكم المصرف المركزي، مضيفا أنّ وزير الاقتصاد يدرس ومديرية حماية المستهلك هذا الملف للتركيز على السلع المعفاة من غيرها.

بين التسريبات والتوقعات، أسئلة تطرح حول قانونيّة القرار الذي بات إقراره مؤكّدا وعلى وجه السرعة بتوقيت الحكومة، وحول إنعكاسه الإقتصادي، وما إذا كان سينعش فعلا خزينة الدولة أم أنّه سيفتح أبوابا من الفوضى في القطاعات التي يطالها، شأنه شأن قرارت مشابهة جرت رياح تطبيقها بما لا تشتهي سفن مشرّعيها.

الكيك: القرار مخالف للدستور

تؤكّد أستاذة القانون المتخصّصة بالشأن المصرفي، سابين الكيك على وجود مشكلة في القرار من الناحية الشكلية والدستورية، فالصلاحية التشريعية لإقراره تعود إلى مجلس الوزراء مجتمعا، ولكن ما حدث هو اتخاذ القرار تحت ما يسمى «موافقة إستثنائية» من وزير المالية ورئيسي الجمهورية والوزراء، وهذا مخالفة دستورية، فلهذه الموافقة مفهوم وشروط خاصة لا تنطبق بموضوع التشريع الضريبي، وبالتالي يمكن الطعن به أمام مجلس شورى الدولة ووقف تنفيذه.

تشجيع التهريب

في الشقّ الإقتصادي تشرح الكيك بأنّ مطلب صندوق النقد الدولي هو توحيد سعر الصرف، باعتماد سعر صرف رسمي، -ليس ضروريا أن يكون ثابتا كما كان قبلا على 1500 ليرة- لكن بشرط أن يكون هناك سعر واحد في الوزارات والتعاملات والإتصالات والجمارك والودائع واحتساب خسائر المصارف وسواها، أي توحيده في الموازنة، لكن ما حصل اليوم هو خلق سعر صرف جمركي مختلف عن سعر الصرف الرسمي المعتمد ما سيؤدي إلى تعدّدية وإرباك وعدم إستقرار في السوق، محذرة من أنّ إجتزاء الأزمة بحلول متفرّقة سيخلق حالات قانونية تعقد الأمور-على المدى البعيد- عند وضع خطة متكاملة.

إلى ذلك تنفي الكيك أن يدخل رفع الرسم الجمركي إيرادات وفيرة إلى خزينة الدولة، لأنّ القدرة الشرائية للمواطن لن تتحمّل الرسوم المرتفعة، وبالتالي سيخفّ الإستيراد والإستهلاك والموارد، وسنشجع التهريب نظرا لعدم انضباط المعابر الشرعية وغير الشرعية، وسنخلق حالة إرباك في القطاعات المرتبطة ولن نحقق النتائج المرجوة، بل يمكن -في ظلّ هذه الأزمة- أن نذهب الى الركود كلّما رفعنا الرسوم والأسعار خاصة اذا عجزنا عن وضع خطة اقتصادية وتأمين قدرة شرائية للمواطن تواكب الرسوم التي تستوفيها الدولة منه.

عكوش: الدولار الجمركي

اختراع من قبل الحكومة

من جهته، يؤكّد الخبير المالي والإقتصادي الدكتور عماد عكّوش كما الكيك على عدم قانونيّة قرار رفع الدولار الجمركي، بل ذهب أبعد من ذلك فما من شيء إسمه الدولار الجمركي بحسب القانون وأنّ هذا اختراع من قبل الحكومة، فكلّ القوانين التي تحكم إستعمال سعر الصرف ( قوانين المحاسبة، الإجراءات الضريبية، الجمارك، الضريبة على القيمة المضافة وغيرها)، تستخدم سعر الصرف الرسمي، والمطلوب اليوم تعديله.

وشرح أنّ هناك سعر صرف رسميا للدولار وبقية العملات الأجنبية في قانون النقد والتسليف، ومصرف لبنان هو المخوّل بتحديده وليس مجلسي النواب أو الوزراء وهو ناتج عن حركة السوق، وهذا حصل بموجب تعاميم كثيرة للمصرف المركزي حدّد فيها سعر صرف الدولار، وكان قادرا أن يحدد سعر الصرف الرسمي الذي يمكن اعتماده من قبل الجمارك ووزارة المالية وغيرها، مشدّدا على الحاجة الماسة اليوم لإعادة النظر بسعر صرف الدولار الرسمي، فهناك أكثر من 80% من الواردات ( حوالي 12 ألف مليار ليرة) «مدولرة»، يتّم احتسابها واستيفاؤها على أساس سعر الصرف الرسمي، وكان يفترض- نتيجة لتضخم سعر صرف الليرة وتراجع قدرتها الشرائية- تصحيح سعر الصرف وتمويل الخزينة حتى تحسن الحكومة الواردات والأجور وهذا الذي لم يحصل.

آلية تصحيح سعر الصرف الرسمي

يقترح عكّوش تصحيح سعر الصرف الرسمي تدريجيا بالتوازي مع زيادة رواتب القطاع العام من خلال رفعه الى 8000 ليرة بالمرحلة الأولى، ومثله الأجور بما لا يقل عن 3 أضعاف، على أن تتّم إعادة التقييم بعد 3 أو 6 أشهر لتبيان مدى تأثير هذه الخطوة بتحديد حجم النفقات مقارنة مع الواردات كي نصل بالنهاية للحالة الطبيعية التي يوازي فيها سعر الصرف الرسمي سعر السوق، إذ لا يصح أن يكون هناك فروقات ضخمة بينهما، وتطرّق كمثال عن زيادات مجلس الوزراء للقطاع العام مؤخرا والتي صدرت من دون أي زيادة بالواردات، ما يعني -في ظلّ عدم تعديل سعر الصرف الرسمي- زيادة الإنفاق الشهري بحوالي 1700 مليار ليرة، وبالتالي مفاقمة عجز الموازنة، وطباعة المزيد من العملة الوطنية، وزيادة حجم الكتلة النقدية في السوق، ومزيدا من الإنهيار في سعر صرف الليرة، واصفا ذلك بالحلول الترقيعية فالزيادات ستؤخذ من الموظفين بعد ارتفاع سعر صرف الدولار وكأنّنا لم نفعل شيئا.

ويلحظ أنّ الأمور ستستمر بهذا الشكل اذا لم يتم وضع حلول جذرية، مستبعدا ذلك قريبا فالموازنة اليوم معطلة، لان الحكومة لم تحدد سعر صرف الدولار ولم تزوّد لجنة المال والموازنة بالأرقام المطلوبة، وسيؤدي التأخير بتعديل سعر الصرف الرسمي إلى مشكلة كبيرة، مؤكدا أنّ القرار بيد الحكومة والمجلس النيابي لتصحيح الوضع بأسرع ما يمكن، لأنّه إذا ترك الوضع هكذا حتى آخر السنة ينتظرنا المزيد من ارتفاع في سعر صرف الدولار.

لكن في المقابل يطمئن عكّوش أنّ السلع الأساسية كالحبوب والبقوليات والسكر والطحين القمح والأدوية وغيرها غير خاضعة للرسم الجمركي أو ضريبة الدخل من الأساس، وأنّ الرفع سيطال سلعا غير أساسية بمعظمها، كالسلع الغذائية المعلبة، أدوات التنظيف، السيارات، الأدوات الكهربائية وغيرها، كما أنّها لن تتأثر بدرجة كبيرة، فالتجار اليوم يحسبون ضريبة الدخل على سعر صرف السوق، وبالتالي لا يفترض أن تزيد الأسعار لأنّها أساسا تحتسب على دولار السوق.

برّو: أخطر القرارات كان سياسة الدعم

في حديثه لـ»الديار»، يرى رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برّو أنّ كلّ الإجراءات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة منذ 3 سنوات حتى الآن ساهمت بالمزيد من الإنهيار والأعباء على معظم الشعب اللبناني، لأنّها كانت دائما إجراءات جزئية من دون خطة إقتصادية وسياسية متكاملة لاخراج البلد من أزماته المتلاحقة، وكأنّنا بأحوال عادية، فالحكومات تصدر قرارات ترقيعية من هنا وهناك، لافتا إلى أنّ أخطر القرارات التي اتخذتها وأدت إلى الإنهيار الشامل هي سياسة الدعم التي سمحت بتهريب واستخدام آخر الدولارات في البلد والبالغة بين 22 و 35 مليار دولار بأقلّ التقديرات، ومن هذه السياسات الترقيعية الدولار الجمركي الذي يسير بنفس الإتجاه ولا يحمل مضامين إصلاحية شاملة لوضع يغرق بالحضيض وهذا هو الخطر الأول والأساسي لهذا القرار.

فيما يتمثّل الخطر الثاني وفق برّو لقرار رفع الدولار الجمركي بما تشكله الجمارك من عبء ضريبي يتحمله المستهلك النهائي أي المواطن وسيزيد أضعافا عن الرسم الماضي، وسيكون الإرتفاع على هذا الشطر الجمركي عاليا جدا، وبدل أن يتّم اعتماده تدريجيا طرح فجأة كحل دفعة واحدة من دون الأخذ بعين الإعتبار القوة الشرائية للناس بحيث لم ترتفع الأجور أو ارتفعت قليلا في القطاع الخاص.

بينما الخطر الثالث هو إستغلال التجار الذين سيعتمدون الدولار الجمركي كذريعة لرفع الأسعار، و»لصوصية» التجار في لبنان شهيرة وخاصة من المستوردين الكبار الذين يحددون الأسعار، وهذه ستكون فرصتهم لتكديس ثروات جديدة، لافتا إلى أنّ عدم الإستقرار دائما ما يشكّل فرصة لتأمين أرباح خيالية، واليوم من اشترى على جمرك منخفص سيرفع أسعاره بحجة زيادة الدولار الجمركي ولن يسائله أحد، وسيدفع المستهلك اللبناني الفقير بالدرجة الأولى حجما كبيرا اليوم من الأعباء الجديدة بظل غياب أي قوى تسعى للإستقرار وتقترح بدائل للبلد، إذ عادت نفس القوى السياسية وتستمر بنفس السياسات.

خلاصة القول.. بات إقرار الدولار الجمركي وشيكا، وها نحن أمام قرار جديد يسير على خطى الحلول العشوائيّة التي لا تقف عند حدود الإنعكاسات السلبية اللحظوية بل توغل في تعميق الأزمة على المدى البعيد.. فيما نقف كمواطنين بانتظار تلقّي ضربة جديدة، والمستغرب أنّ الحلول وفيرة وممكنة كما يقول خبراء الإقتصاد على اختلاف مدارسهم، لا سيّما أنّ لبنان بلد صغير واقتصاده سريع التعافي، لكن على ما يبدو أنّ قرار إخراج لبنان من دائرة الضغط لم ينضج بعد! 

الأكثر قراءة

لا تغيرات كبيرة في المشهد الرئاسي اليوم... والعين على موقف باسيل عطب كبير يصيب «الحزب» و«التيار»... وبري وميقاتي وجنبلاط لن يتراجعوا الراعي يلتقي ملك الاردن ويوجه كلاما لاذعا الى المسؤولين اللبنانيين