اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عاد الوسيط الأميركي في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية بين لبنان والعدوالإسرائيلي آموس هوكشتاين، الى لبنان بعد شهر و10 أيّام من زيارته السابقة له، في زيارة سريعة لم تدم أكثر من ثلاث ساعات ونصف، التقى خلالها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيسي مجلس النوّاب نبيه برّي، ورئيس حكومة تصريف الأعمال كلّ على حدة، خلافاً للمرة الماضية. وساد هذه الزيارة بعضاً من الغموض والضبابية، رغم التصريحين المقتضبين اللذين أدلى بهما هوكشتاين، الأول في قصر بعبدا، والثاني في مطار بيروت وهو يغادر لبنان متوجّهاً الى دولة خليجية يعتقد أنّها قطر، بعد أن وصل اليه قبل ظهر أمس الجمعة من معبر الناقورة البرّي. وكرّر الوسيط الأميركي بعد لقاء المسؤولين اللبنانيين الكلام نفسه "أحرزنا تقدّماً جيّداً ومتفائل في الوصول الى اتفاق"، من دون التطرّق الى أي موعد لهذا الإتفاق، ولكن بالطبع بعد حلّ بعض النقاط العالقة التي يجري البحث في شأنها.. فكيف بدت الأجواء، وما الذي يمكن استنتاجه من زيارة هوكشتاين الخاطفة، بعد أن وسّع دائرة مشاوراته لتشمل شركة "توتال"، ودولة قطر؟!

أوساط ديبلوماسية متابعة تحدّثت عن أنّ عودة هوكشتاين الى لبنان أتت على وقع إعلان وزيرة الخارجية الإسرائيلية كارين الحرّار أنّه جرى تأجيل العمل في حقل "كاريش" لأسباب تقنية، وإعلان شركة "إنرجين" بالتالي أنّها جاهزة لأن تبدأ في غضون بضعة أسابيع باستخراج الغاز من "كاريش". وهذا يعني أن تراجعاً في بدء العمل في "كاريش" قد حصل من العدوالإسرائيلي، أقلّه في المرحلة الراهنة الى أواخر أيلول الجاري أو الى تشرين الأول المقبل، رغم حديث هذا الأخير عن بدء عمله في منتصف أيلول، أي بعد أيّام، بعد أن كان مقرّراً بين 4 و11 منه.

وتقول انّ أسباب هذا التأجيل تتمثّل في أمرين مهمين، الأول هو أنّ الإسرائيلي لا يريد أي مواجهة عسكرية مع "حزب الله" في الوقت الراهن إذ من شأن أي إشتباكات ولو محدودة، إخافة الشركة المشغّلة رغم التطمينات التي تعطى لها. والثاني يعود الى كونه يحاول كسب الوقت وعدم توقيع أي اتفاقية ترسيم بحري قبل الإنتخابات المقبلة، وذلك خدمة للمصالح الأميركية والإسرائيلية.

وأكّدت الأوساط نفسها بأنّ رسالة الحزب قد وصلته بأنّه سيمنع أي استثمار في حقل "كاريش" قبل أن يبدأ لبنان بالعمل في حقل "قانا"، وأن يتمّ رفع الضغط عن شركة "توتال" لكي تأتي مجدّداً وتبدأ عملها في البلوك 9، بعد أن أوقفته بفعل الضغوطات عليها في البلوك 4 منذ سنوات. ولهذا، فالأميركي والإسرائيلي يبحثان فعلاً عن توقيع إتفاقية الترسيم، ويسعى هوكشتاين الى إزالة بعض العقبات من طريقها مثل التفاوض مع "توتال" عن عودة قريبة لها الى لبنان لتنفيذ الاتفاقية الموقعة بينها وبين الحكومة اللبنانية، والتي جرى على أساسها تلزيم "كونسورتيوم" الشركات بأعمال الإستخراج والتنقيب في البلوكين 4 و9. غير أنّها أرجأت بدء العمل في البلوك 9 مرّات عديدة، آخرها الى أيّار من العام 2025، مستفيدة من البند الذي يسمح لها بتعديل توقيت بدء عملها.

وأوضحت أنّ الوسيط الأميركي قد أجرى في باريس محادثات مع المسؤولين في "توتال" قبل مجيئه الى لبنان والمنطقة. ويقوم في دولة قطر بمحادثات مع المسؤولين فيها، حول إمكان أن تحلّ مكان شركة "نوفاتيك" الروسية التي انسحبت أخيراً من كونسورتيوم شركات النفط الدولية الذي ترأسه "توتال"، وحول اقتراح دفع تعويضات مالية بقيمة نحو 150 مليون دولار أميركي، في حال وافق لبنان عن التخلّي عن القسم الجنوبي من حقل "قانا" للإسرائيلي، أو على بيعه لدولة قطر ليفضّ الخلاف حوله مع الإسرائيلي. علماً بأنّ موقف لبنان ثابت ومحسوم من هذا الأمر، وهو التمسّك بالخط 23 وببلوكاته الحدودية كاملة، كما بحقل "قانا" كاملاً، من دون أي تقاسم للحقول أو للعائدات النفطية مع العدوالإسرائيلي لكي لا يعتبره هذا الأخير تطبيعاً إقتصادياً معه.

ولكن على ما يبدو، فإنّ الإسرائيلي لم يحسم موقفه بعد من الطرح اللبناني الأخير، على ما أشارت الأوساط الديبلوماسية، بل قام بتقديم المزيد من الطروحات التي نقلها هوكشتاين الى المسؤولين اللبنانيين، ويسعى الى تأمين الأرضية الملائمة لها مع شركاء آخرين. فالإسرائيلي لن يتخلّى بسهولة عن القسم الجنوبي من حقل "قانا"، خصوصاً وأنّه متداخل مع حقل "كاريش" في أعماق البحر، على ما تفيد المعلومات، ما قد يجعله يشفط ثروته النفطية كاملة، إذا ما تمكّن من بدء عمله في القسم الشمالي من حقل "كاريش". وفي حال وافق على التنازل فإنّ ما يطلبه في المقابل سيكون باهظ الثمن.

وفيما يتعلّق بموقف كلّ من عون وبرّي وميقاتي فيما أبلغهم به هوكشتاين عن إدخال دولة ضامنة ذات مصداقية وموضع ثقة من الجانبين على خط النفط الشرق أوسطي هي قطر، فذكرت المصادر عينها بأنّهم قد يجتمعون مجدّداً لمناقشة ما عرض عليهم الإسرائيلي واتخاذ القرار المناسب بشأنه.

غير أنّ ما جاء به هوكشتاين، على ما عقّبت، لم يكن موقفاً حاسماً أو نهائياً، وهذا ما كان متوقّعاً، ما يجعل اتفاقية الترسيم مؤجّلة على الأقلّ لأسابيع، وتحتاج الى إيجاد حلول لبعض العراقيل، التي وضعها الأميركي والإسرائيلي في طريقها لكسب المزيد من الوقت وعدم إعطاء أي فرصة لبنيامين نتنياهو ليعود الى رئاسة الحكومة، في جرى تعرّض الإتفاقية الى أي انتقادات داخلية. ويبقى السؤال متى وكيف سيصرف اللبنانيون تفاؤل هوكشتاين في التوصّل الى اتفاق ترسيم، وفي أي عهد؟!


الأكثر قراءة

سليمان الجد يحتضن سليمان الحفيد