اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ما زالت ظاهرة زواج القاصرات في بعض المناطق اللبنانية، خصوصاً في الأرياف والمناطق البعيدة عن المدن، مشكلة كبيرة مثيرة للقلق والهواجس، تساندها في ذلك الظروف الإنسانية الصعبة والفقر والجوع لدى العائلة، ما يدفع بالوالد في معظم الاحيان الى تزويج ابنته حتى ولو كانت في عمر الاطفال، الى رجل ثري يكبرها سنّاً، وفي بعض الاحيان لا يكون غنياً انما تحت حجة السترة، وضرورة الزواج المبكر للفتاة، الامر الذي يُعتبر جريمة ضد الطفولة، فيما القوانين الانسانية الدولية ترى في زواج الاطفال شكلاً من أشكال العنف وانتهاكاً لحقوق الإنسان.

هذه الصورة المأسوية تنطلق من التدهور الفكري وغياب التعليم، والعلاقات الأسرية والمجتمعية والظروف العائلية لها، تقابلها تداعيات تبرز في نفسية القاصر لاحقاً، لانها لم تعش طفولتها بل اُجبرت على زواج غير متكافئ من كل النواحي، فضلاً عن تداعيات صحية ستعيشها جرّاء الزواج المبكر، وهنا قمة الاستئثار بمصير طفلة لا تعرف شيئا عن الزواج، فيتم قتل البراءة عن سابق تصوّر وتصميم.

ماذا عن نسبة هذا الزواج في لبنان وبعض الدول العربية؟

هذا المشهد المرفوض ما زال قائماً في لبنان بنسبة 6 في المئة، أي اقل بكثير من بعض الدول العربية، وفي الاحصاءات سجلّت السودان نسبة 47 في المئة ، موريتانيا 35 في المئة، اليمن 32 ، مصر 17 ، كما انه موجود في المغرب والعراق وصعيد مصر بنسب مشابهة.

وعلى صعيد لبنان، نشهد هذا الزواج في بعض المناطق ضمن الاحياء الفقيرة، حيث تكثر الزيجات من هذا النوع تحت حجة الاوضاع الصعبة للفتيات بعيداً عن بلدهم.

شهادة قاصر مطلقة: تعنيف وضرب مبرح

في هذا السياق، اعطت الطفلة المطلقة ف. ش. شهادتها بعد جهد خلال اتصال "الديار" بها، فأشارت الى انّ والدها أجبرها على الزواج قبل 4 سنوات من رجل يكبرها ب 32 عاماً وكانت حينذاك في سن الـ 13 ، واصفة إياه بالشرس والعنيف اذ كانت تتعرّض للضرب المبرح منه ، مع إجبارها بعدم البوح لأحد عما تتعرّض له تحت التهديد بتعنيفها اكثر، بسبب رفضها للعلاقة الجنسية منذ اليوم الاول للزواج، وقالت: "تعرضت بعدها للاغتصاب منه وحصل الطلاق بعد سنة وشهر، وعدت الى منزل اهلي لكن لم يتغير شيء ، فأنا ممنوعة من الخروج واعاني من الكآبة والحزن الشديد".

شهادة الوالدة: لا رأي لي ...!

وفي محاولة منا لمعرفة رأي والدة الطفلة السيّدة أ. ش، قالت: "كنت ضد هذا الزواج وحاولت التدّخل لكن لم يؤخذ برأيي، لانّ الكلمة للرجل في مجتمعنا وتقاليدنا ، ولا رأي للنساء كما يقول اهل زوجي والاقرباء، لقد عشت مع ابنتي كل المآسي لكن من بعيد، والنتيجة كما توقعتها طلاق في عمر الورود، فهي اليوم في سن الـ 17 لكن تبدو وكأنها في الاربعين، ونشكر الله انها لم تنجب وإلا لكانت الكارثة اكبر، هي دائماً حزينة واجواء المنزل ليست مريحة، فالضغط موجود والشك ايضاً من قبل والدها بأن تكون على علاقة مع احد، الامر الذي يؤدي الى المشاكل المتواصلة معه".

حالات جغرافية ومادية تفرض هذا الزواج

ماذا عن التداعيات على نفسية القاصر المتزوجة او المطلقة؟ يجيب الدكتور جان كلود الحصري، الاختصاصي في علم النفس الاجتماعي لـ "الديار": "زواج القاصرات موجود في المجتمعات المختلفة في بيئتنا منذ زمن ولغاية اليوم في المناطق النامية والبعيدة، وبالتأكيد ترتفع نسبته في بعض المناطق، حيث تفرض الحالة الجغرافية والاقتصادية والمجتمعية والمادية لدى بعض العائلات، الامر الذي يدفع بالاهل وخصوصاً الوالد الى إزاحة هذا العبء عن كاهله، تحت عنوان "سترة الفتاة"، ما يؤثر فيها نفسياً، اذ تشعر بالذنب لانها انثى وتشكل عبئاً على اهلها، والافضل ان تتزوج لتأمين مستقبلها، وفي معظم الاحيان لمساعدة اهلها مادياً من خلال هذا الزواج، من دون ان تعرف ما الذي ينتظرها، وكل هذا يُشعرها بأنّ حقوقها غائبة، هذا اذا كانت اصلاً على علم بتلك الحقوق، وكأن مهمتها فقط الزواج وانجاب الاطفال، كما انّ التقاليد والقيم التي تربّت عليها بعض المجتمعات، تجعل الاهل والفتاة مقتنعين احياناً بأنهم لا يقومون بأي تصرّف خاطئ، خصوصاً انه مع ولادة الانثى هناك جهوزية لهذا التصرّف من قبل اهلها".

الى ذلك يشير الحصري الى انّ المشكلة ليست في طلاق القاصر فقط، بل في حال بقيت في بيت زوجها، مع كل المعاناة التي تعيشها، وبالتالي ما هو وضعها مع اولادها؟ وعندئذ يكون القرار قد انتقل من والدها الى اخيها وزوجها واولادها، أي تأخذ هويتها ووجودها والاوامر من سلطة هؤلاء، وقد تكون رغماً عنها ومن دون ادراكها قد تأقلمت ضمن هذا الواقع لانها تربّت هكذا.

ويتابع: "حين تصبح القاصر مطلقة، فهذه مأساة لها ولأهلها، لانها طلاقها يُعتبر عاراً بالنسبة لهم، ومأساة لها لانها تصبح كاللاجئ في بيته وبيئته، وفي بعض الاحيان نجد ضغوطات غير مباشرة من العائلة والمجتمع على اهل الفتاة، ما يساهم في تفاقم المشكلة، لانّ القاصر المطلقة التي تعود الى منزل اهلها ينتظرها مستقبل ضائع، وفرصة ضعيفة لانها مطلقة، حيث يصعب تزويجها مرة ثانية"، ويشير "الى انّ حالة النضوج الذهني والفكري والروحي، الى جانب النمو الجسدي والاقتصادي، يعطيان توازناً للزواج، وعندها تستطيع المرأة تربية اولادها بطريقة صالحة".

ويختم الدكتور الحصري: "لا بدّ من الاشارة ايضاً الى تقصير الدولة في تنمية المناطق الفقيرة، وتأمين التطور الاجتماعي والاقتصادي، الذي يخلق فرص عمل ويحّد من هذه المشكلة".


الأكثر قراءة

مدّوا أيديكم الى حزب الله