اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لعل اللامعقول بدأ مع ذلك الحدث الذي أثار ذهول العالم آنذاك. فرنكلين روزفلت يقطع نصف المعمورة، وهو يحمل في ساقيه 7 كيلوغرامات من الحديد، وبعد أيام مضنية في يالطا مع جوزف ستالين وونستون تشرشل، ليلتقي على متن المدمرة كوينسي في قناة السويس بملك بنى عرشه بالسيف، وعلى صهوة حصانه هو عبد العزيز آل سعود!

لكنه روزفلت، أيها السادة، كما قال افريل هاريمان . الرجل الذي سبق دوايت ايزنهاور في الرؤية (وفي الرؤيا) بكون الكرة الأرضية، وعقب الحرب العالمية الثانية، لا بد أن تدار بطريقة أخرى. النفط هو دم الأرض (ودم الأمبراطوريات)، كما قال الفرنسي هنري بيرانجيه في مؤتمر عام 1918 ، كما أن الأوروبيين الذين دأبوا عبر الأزمنة على تحطيم بعضهم البعض، وحتى على تحطيم العالم، ليسوا مؤهلين لقيادة هذا العالم .

في شباط 1945 كان الحلف المقدس، على أنه الحلف الأبدي بين أميركا والسعودية التي قدمت وأكثر من أي دولة أخرى، خدمات مجانية للاستراتيجية الأميركية ليس في الشرق الأوسط فقط، بل وفي مناطق أخرى من الكوكب.

الآن، وبعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن، تبدو العلاقات التي أبقت المنطقة العربية رهينة القرون الوسطى على وشك الانفجار . بداية اللامعقول الآخر . وقيل أن الأمير محمد بن سلمان الذي علّق لصوص الداخل، بمن فيهم أمراء من العائلة المالكة، بأرجلهم في فندق فاخر، قرر اعادة النظر في العلاقات مع لصوص الخارج الذين استنزفوا المملكة طوال تلك العقود، دون تحقيق حلمها بادارة المشرق العربي على الأقل، ولا حتى حمايتها من صواريخ الحفاة في اليمن.

صاحب السمو الملكي استقبل جو بايدن، كما لو أنه يستقبل زائراً ثقيل الظل، دون أن يستجيب لتوسلاته (أجل توسلاته) لخفض أسعار النفط . على العكس من ذلك أطلق العنان للأسعار، ليبدو كمن يخنق الرئيس الأميركي الذي وراءه دونالد ترامب وأمامه دونالد ترامب...

أركان الحزب الديموقراطي يقولون ان ولي العهد السعودي يراهن على عودة صديقه ترامب الى البيت الأبيض، لهذا يريد احراق بايدن ورجاله عشية الانتخابات النصفية للكونغرس .

قد لا يكون ذلك صحيحاً . ترامب تعامل مع الأمير السعودي بمنطق شايلوك في "تاجر البندقية" . الاهانات تلو الاهانات لقادة الخليج . وحين كان يوحي بأنه يقرع الطبول في وجه آيات الله انما كان يقرع الطناجر.

في واشنطن، واثر قرار "أوبك"+ خفض انتاجها مليوني برميل يومياً، تعالت الصيحات بأن المنظمة، والسعودية في المقدمة، تبغي الوقوف الى جانب فلاديمير بوتين في حربه ضد أميركا

في اللامعقول أيضاً، تلك المعلومات الديبلوماسية التي تتسرب من أكثر من جهة، والقائلة ان الولايات المتحدة وراء انهاء الهدنة في اليمن، والى حد التأكيد بأنها ستغض الطرف ليس فقط عن وصول الأسلحة الأكثر فاعلية الى عبد الملك الحوثي، وانما أيضاً عن توجيه الصواريخ الى منشآت نفطية خليجية، وربما الى منشآت حيوية أخرى.

بطبيعة الحال، يتردد أن طهران وراء التهديدات الحوثية الاخيرة الى بعض الدول الخليجية من أجل تحريك المياه (والدماء) الراكدة في المنطقة، بالطريقة التي تضغط بقوة أكثر على القوى الغربية لدورها في نسف مفاوضات فيينا حول اعادة احياء الاتفاق النووي.

من ترانا نصدق في هذه الحال؟ خفض الانتاج له دلالاته الاستراتيجية . القارة العجوز تصرخ. ألمانيا، القاطرة الأوروبية، تتهم الشركات الأميركية بالجشع لأن أسعار الغاز الأميركي تفوق اسعار الغاز الروسي بما بين 50% و75 % . ايطاليا عادت الى الغاز الآتي من الصقيع .

رقم كارثي، ويهدد ليس فقط بانهيار الاقتصاد الأوروبي بل وبانهيار القارة. على الأقل تشتت القارة التي أرغمها الأميركيون على الانزلاق في حرب عبثية حول من يتولى قيادة العالم، لتبقى الكرة الأرضية تدور على قرن ثور...

الآذان والعيون الأميركية مقفلة. استنزاف عظام الأعداء أم استنزاف عظام الحلفاء ؟ مفاجآت هائلة عشية شتاء هائل. اللامعقول الأميركي أم الجنون الأميركي؟

الأكثر قراءة

مصدر كنسي لـ «الديار»: الفاتيكان يتوسّط لدى واشنطن وباريس لحل أزمة الرئاسة «الثنائي» يفشل بفتح دروب «البياضة» و«معراب» و«المختارة» في اتجاه «بنشعي»... «القوات»: لا نساوم أكثر من مليار دولار ستدخل لبنان مع توافد المغتربين لتمضية عيدَيِ الميلاد ورأس السنة المسيحية