اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تطالعك شرعة حقوق الانسان، والحركات الحقوقية وغيرها من المؤسسات والجمعيات الناشطة، بالتأكيد دوما على الحقوق بشكل عام، وعلى أهمية التمتع بها وتحقيقها والحصول عليها. ومن بين تلك الحقوق هي حق التعبير.

كما في كلّ المواضيع التي تستهدف شرائح المجتمعات، وتحفز فكرة المشروعية وتحقيق الذات الانسانية، يشكل حق التعبير عن الآراء والمواقف حقا مصانا تطالعك به المجتمعات المتطورة لتضعه في مصاف الديمقراطيات. ولكن هل بصيانة حقوق الأشخاص في النصوص والتنظير التوجيهي والتعبير تصان حقا؟ هل الديموقراطيات اسم على مسمى؟ أم أنها ربطة عنق يراد بها تجميل محتوى أصمّ؟ او فوضى خلاقة كما يسمونها يبذرون فيها الشقاق للتحكم؟

رنانة هي الكلمات " حرية" "ديمقراطية" "حقوق"، تراها تنساب من بين أحاديث المتكلمين والواعظين، فتدغدغ الأنا، والوجودية لدى السامعين ليؤخذوا إلى ساح التحقيق التي تعدهم بها.

الديمقراطيات العالمية

تطالعك بلدان العالم الأول، بوزراء خارجيتها وسفرائها ومسؤوليها باجتهادات وفلسفات حول حقوق الانسان، لا سيما حقه في التعبير ... وتوهمك الشاشة الصغيرة بوهم فوق وهمك تسوق فيه الخطابات بتقنية وتقانة ليخيل إليك أنك في عالم المثاليات. فتتغنى بديموقراطيات البلدان الأجنبية، ممتعضا من جور بلادك وسوء حالك. متمنيا لو أنك كنت أحد أفراد شعب هذه البلدان، ويبدأ حلم الهجرة يدغدغك.

غير أنك، وإن خلعت عنك نظارتك الوردية، لرأيت أنه خلف قناع الديمقراطية، يقبع وحش الديكتاتورية المصلحي الذي يروض الشعوب لاستعمار بلدانها. ولعل الخطر الأكبر يكمن في الوهم، في تشكيل العقول بكل المؤثرات الممكنة، فالوضع اشبه بمن يبالغ في وصف طبق شهي لمن يشتهون فتات خبز وماء.

تعمد الدول الديموقراطية إلى قتل الحلم، وتتهم آخرين بقتله. والمفارقة الكبرى هو أن هذه البلدان تعاقب حرية التعبير بمنع التأشيرات والاستفادات والسفر. " مرحبا ديمقراطية".

على صعيد الدولة المحلي

إن المجموع السياسي المتحكم، والذي يتم اختياره بعناية ترشيحا وتسويقا وصناعة وتدقيقا وانتخابا، لا من قبل الشعب، بل من قبل المتربصين ببلدك وخيراته الجمة. فكما لوحة الشطرنج، أصنام تحركها أيدي تصنع ملكا وتردي آخر بخبطة " كش ملك" فيما الشعب مصفقا في حزام الفقر والتبعية خارج لوحة التحكم.

أنت في بلاد تحكم من سفارة، تحكم من دول إقليمو- دولية. وبعد، تحكم بعدّاد الاتجاه العالمي الذي يوهمك بجمالية الاستبداد على أنه ديموقراطية، وجمالية الرفاهية على أنها تمدن. ويبقيك على مسافة خطوة من حقك لن تخطوها، فقد حفروا في تلك المسافة وادي سحيق.

حكومة البلاد ورئيس البلاد ونواب البلاد، يأتون بموافقة اقليمة دولية، ومرجعيات الطوائف تتحرك بإيحاءات داخلية خارجية، فيما يأتي المجموع الذي من المفترض أن يكون له حق المواطنية بكل تفاصيلها من حرية التعبير، وكرامة العيش من مأكل ومشرب وعلم وملبس واستشفاء، من حق الانتخاب والاختيار.... ليكونوا مجرد قبائل يتبعون أحدى المرجعيات الطائفية او الأحزاب المطيفة، لا حول لهم ولا قوة إلا رضى الزعيم، في حياة اشبه بمعترك يتقاسمون فيه فتات لا أكثر.

وعلى تماس الأغلبية، قلة قليلة ترفض وتطالب بحق المواطنية الحقة. قلة قليلة تحارب وتحارب في قوتها ووظيفتها ومعيشتها لتصمت، ويتسرب من هذه القلة مجموعات لم تستطع البقاء او التحمل " وبيقلك بدنا نعيش".

نفس النظام يحكم المؤسسات

تطالعك المؤسسات الكبرى بجدول قوانينها، وبالنظام الذي يحكم العمل والمعاملات فيها، في وصف تسيطر عليه الديموقراطية المزعومة في التعبير والتعاطي. ولكنك ان دخلت التطبيق والحياة اليومية، لرأيت نموذج الدولة مصغرا ليس إلا. فالمشكلة ليست بالأنظمة، إذ أن صياغة الجمل وتضمينها في الورق بنظام مثالي لامر أكثر من سهل وموجود، ولكن العبرة في التنفيذ. فالنظام المهترئ من رأسه، يتكرر في القطاعات كلها، في الرسمي والخاص. فتجد أن العقلية هي نفسها، وساطة، مصالح، جوع، غياب حقوق، تصنيف، تفرقة، تجيير، تهميش، وتعويم باختلاف الاشخاص والمواضيع. وتكون المحصلة، موظفون يسيطر عليهم الشعور بالغبن، وقلة تعتبر من " الشاطرين" بحيث تقوم الفئة الأولى بالجهد والعمل فيما تخطف فئات أخرى قيمة التعب لنقع في حلقة مفرغة قوامها الفساد على المستوى النفسي والفكري والمادي والمصلحي، حتى إذا. ما نهض أحدهم ليقول " للأعور أعور بعينه" يكون قد خالف النهج المرسوم، فيحارب وممن؟ من الكل مجموعا حتى من المستضعفين أمثاله، وذلك لغياب النظام والحق وسيطرة الخوف، فأين الديمقراطية.

كتب التربية والمدارس

إن ديموقراطية المدارس والتربية المدنية، كتب مرّ على كتابتها زمن، وبحكم الطبيعة لم تكتب قي الزمن الجميل، فلم يمر على هذه البلاد حتى الساعة زمنا جميلا، يستقى منه واقعا يضمن كتب تربية.

أول سؤال قد يطالعك به تلميذ حين تمر على أي من الدروس" الحق والواجب، النظام اللبناني، ديموقراطية الحياة، ...." " وين في منن هول، اكيد عنا" ويسود الضحك والاستهزاء بين التلامذة، والمشكلة أن مدرس المادة بحد ذاته يعلم بأن الواقع هزلي وكلام كتب مجرد كلام لا يرقى للتطبيق.

بين الحق والواجب، يعلم كل التلامذة أنه في شريعة الغاب يسلخ الحق بالواسطة وبالقوة، بأن القانون بات لا يحمي احدا، بل يطبق على الضعيف ليس إلا، وبأن السارق الصغير يعاقب وقد يكون سرق رغيفا لاطعام أهله، فيما سارق الاوطان يعزز ويكرم ويصفق له في العراء وتحت سقف القانون.

بين الحق والواجب في مدرسته، يعلم أن واقع اهله الاجتماعي وقدرتهم المادية قد تميزه عن تلميذ أقل منه اجتماعيا، فيميزه القانون بالحق الباطل حتى ولو اعتدى، فيما الواقع الاجتماعي لزميله المعتدى عليه يجرده من حملية القانون.

فأي تربية واي ديموقراطية تعج المجتمعات بنظام الغاب، بنطام اللانظام، ولطالما تم التركيز على التربية بكليتها لأنها مصنع الافكار، مصنع النظام، مصنع القيم، ولكن يبدو أن هذا المصنع اصبح يصنع بضاعة مقلدة باب عاشر او مئة، بشكل لا يلبث ان يبهت ويخلو من المضمون.

المراجع التربوية

لعل أهم التفاصيل في العملية الديموقرلطية هي تعدد المراجع، إذ لا يتبع الكل مرجعا واحدا او قانونا واحدا، بل يغيب الانتماء الواحد الذي يجب ان يكون للوطن، ويحل محله انتماء الجماعات والشعب. فما يدرس في التربية والتاريخ في هذه المنطقة ممنوع في منطقة أخرى، وما يعتمد حقا بين فئة باطلا لدى فئة أخرى، وهذا بحد ذاته فسادا في المضمون والرؤية. لا وطن تقبع في كنفه هويات، بل تكون الهوية واحدة والانتماء واحد. فهل هذه هي الديمقراطيات المزعومة؟

الفوضى الخلاقة

تسربت سوداوية المضمون إلى التعبير الأجوف" ديموقراطية" إلى النبع، إلى المصنع، إلى نقي عظام الاوطان، حيث يتشكل صلبها وعصبها، إلى تلاميذها وطلابها ومثقفيها. فما بالك أنك في مجتمع تتكرس فيه الطائفيات والمصلحيات والمحسوبيات، يغيب القانون، ويحل محله شريعة. " بيي أقوى من بيك" و" طائفتي اولا" ....

إن الحال كما هو عليه، هو فدلرة في التثقيف والتربية، فدلرة تكرس الشقاق في الفكر والرؤية، في الهدف والوسيلة، في المرجع والانتماء. إن الحال كما هو عليه كارثة أعظم من حرب، فالعدو فيها صامت كمرض عضال، يتسلل إلى عصب الوطن وشرايينه، وهذا تجويف من الداخل لا يقدر عليه نووي ولا بارود.

ديموقراطية

رنانة هذه الكلمة، بشعب هوائية تغص بنيكوتين التردّي، بادمان الاذعان، وكحول لا تعقم بل تملأ الأجزاء بكتيريا مجهرية تنال من الحق ويستوطن الباطل. لكل اصحاء هذا المجتمع، للواعين خطورة الانصياع، للعارفين بأن المصلحيين مهما كانوا لا يهمهم مصلحة وطن وأبنائه، مهما كثرت عملتهم الخضراء والمذهبة والملونة. لكل الاصحاء، هو جيل كامل، هو وطن واجيال آتية، أوقفوا المتاجرين والتجار، وليكن الوعي متربصا بالديموقراطيات المزعومة، علنا ننهض ويبقى الوطن.

الأكثر قراءة

البطاركة يناقشون اليوم الملف الرئاسي في بكركي بحثاً عن مَخرج ملائم ينهي الشغور الحراك الجنبلاطي من الصرح الى عين التينة : لن نبقى في دوامة الورقة البيضاء... بدء العمل برفع سعر الصرف من 1507 الى 15000 ليرة... وأساتذة الخاص يُصعّدون