اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

«جورج واشنطن اختار تلك التلة لاقامة مبنى الكونغرس، ربما ليقول للعالم: هنا لم تولد جمهورية أفلاطون، بل جمهورية آدم لأن أميركا لكل البشرية لا لفئة دون أخرى».

هذا ما كتبه المؤرخ ادوارد كينان (1935 ـ 2015 )، قبل أن يضع المارتينيكي فرانز فانون كتابه «معذبو الأرض»، ليصف أميركا لدى تقديم الكتاب بـ «جمهورية يهوذا». لاحظ كيف أنشأت في أميركا اللاتينية، بالأكثرية الكاثوليكية، جمهوريات الموز، مضيفاً «لقد صلبوا السيد المسيح، وحالوا بينه وبين القيامة»... .

أما كينان فقال «اننا، كأميركيين نشبه الآخرين تماماً . لسنا ملائكة، ولسنا أبالسة . مشكلتنا أننا انتفخنا تكنولوجياً وعسكرياً الى الحد الذي نحاول فيه تقليد الله، أو حتى الحلول محله في ادارة الكرة الأرضية !»

تابعنا ما قالته الشاشات الأميركية حول التعثر الذي حصل في انتخاب رئيس لمجلس النواب. كان هناك بعض من استعاد أفكار كينان، ليشيروا الى أن تعطيل 20 من أصل 222 نائباً جمهورياً انتخاب كيفن ماكارثي، المعتدل نسبياً، يعكس جانباً من الأزمة الفكرية داخل الكونغرس، والتي أحد تجلياتها اقتحام «هيكل الديموقراطية في أميركا»،بالهراوات والسكاكين، وبطريقة قطّاع الطرق.

اذ اعتبروا أن ما حدث، قبل انتخاب ماكارثي، يظهر مدى الاختلال في الرؤية المستقبلية لأميركا، تساءل بعضهم ما اذا كان بالامكان اجراء الانتخابات الرئاسية في ظل الاحتقان «القابل للانفجار» لدى بعض الجماعات التي تقاتل بالبنادق، لاعادة دونالد ترامب الى البيت الأبيض؟

السؤال واقعي اذا لاحظنا اصرار الرئيس السابق على الفوز بالولاية الثانية أياً يكن الثمن، مع ظهور تشققات داخل الحزب الجمهوري، الذي يشكو عدد من أركانه من أن الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها رئيساً يختزل الدولة بل والعالم في شخصه. هذا ما يهدد بالتحول الى النظام التوتاليتاري، وابدال تمثال الحرية في خليج نيويورك بتمثال دونالد ترامب.

ليس كل الساسة والمحللين متشائمين الى هذا الحد. في نظر آخرين أن ما يحدث دليل على حيوية العملية الديموقراطية، كما على الشفافية في عدم ابقاء الأفكار أو الآراء داخل الجدران. على الشارع أن يقول كلمته. أما مظاهر العنف فهي مسألة طبيعية للغاية اذ «لسنا فوق البشر، بعيدين عن التفاعلات السيكو ـ سياسية للقرن».

هذا رأي جيفري غولدبرغ في صحيفة «أتلانتيك»،ملاحظاً أن رؤوس بعض الساسة تشبه رؤوس الغربان.»أميركا ليست التيتانيك، ولا الآنية الزجاجية التي تتحطم بركلة قدم. انها العالم. لو تحطمت تحطم العالم»!..

بالرغم من ذلك يبدي قلقه من شيء ما يمكن أن يحدث ويجعل من «الثلاثاء الكبير» في تشرين الثاني 2024 «الثلاثاء الأسود» . السبب أن هناك من يعتزم اقتحام البيت الأبيض، على غرار ما حدث للكونغرس.

أمام هذه البانوراما، نستذكر أحوالنا كعاجزين، بسبب تشتتنا السياسي والطائفي والوطني عن انتخاب رئيس للجمهورية، دون المقارنة بين الديموقراطية هنا والديموقراطية هناك، وبين منطق اللوياجيرغا هنا، والمنطق الأمبراطوري هناك، وان كان قد أثار ذهول العالم كلام بعض الأجهزة الأميركية حيناً حول التدخل الروسي، وحيناً حول التدخل الصيني في الانتخابات الرئاسية.

مراكز القوى في الولايات المتحدة هي التي تختار الرئيس، الذي يفترض أن يكون «العرّاب الأكبر»،أي رجل الشركات الكبرى في جادة بنسلفانيا. عندنا، بدل عرّابي الشركات، عرّابي الطوائف الذين هم بشكل أو بآخر، عرّابو المافيات...

ولكن اذا كان الأميركيون ينتخبون الرئيس الأميركي، هل ينتخب اللبنانيون الرئيس اللبناني؟ عادة، يهبط علينا من المدخنة، وعبر تسويات زبائنية لا تترك أثراً لا للهالة الرئاسية ولا للصلاحيات الرئاسية.

الآن، أسوأ من أي وقت مضى، وظروف اشد هولاً من أية ظروف أخرى. سيناريوات جهنمية تتقاطع فوقنا، وأحاديث حول «اليد الاسرائيلية».

هذا ليس مستبعداُ، اذا رأينا أي طراز من الذئاب يحكم «اسرائيل». أما كيف نواجه تلك اليد فبالجدل البيزنطي، حتى حين تتساقط الحجارة فوق رؤوسنا، أذا كانت رؤوسنا لا تزال على أكتافنا. لا نعتقد... 

الأكثر قراءة

حزب الله" كقوة سياسية ضاربة