اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وهل هذا الإجراء سيطيح ودائع المودعين في المصارف اللبنانية؟


عندما تقرض البنوك التجارية الأموال، فإنها توسع مقدار الودائع المصرفية (Money creation in the modern economy - McLeay 2014). مثلًا إذا قام مودع بإيداع 1000 دولار أميركي في حسابه المصرفي، يقوم المصرف بإقراض 900 دولار من هذه الوديعة والباقي 100 دولار أميركي تذهب إلى الاحتياطي الإلزامي في المصرف المركزي. وبفرضية أن الشخص الذي اقترض الـ 900 دولار أميركي، قام بشراء سلعة، فإن البائع الذي يتلقّى المبلغ، يقوم بدوره بوضع هذا المبلغ في حسابه المصرفي، وبالتالي يُصبح حجم الودائع في هذا المصرف 1900 دولار أميركي في حين أن المبلغ الكاش هو 1000 دولار أميركي. بالطبع هناك ضمانات يطلبها المصرف من المقترض (مثلًا رهن السلعة لمصلحة المصرف) إلا أن حجم الودائع توسّع بحكم القروض التي يعطيها المصرف. وإذا ما افترضنا أن المصرف قرّر إقراض الـ 900 دولار التي قام بإيداعها المودع الأخير، فإن المصرف سيحجز 10% من هذا المبلغ، أي 90 دولارا أميركيا لوضعها في الاحتياطي الإلزامي، ويقوم بإقراض مبلغ 810 دولار أميركي لشخص بهدف شراء سلعة، وبالتالي يقوم البائع بإيداع ثمن هذه السلعة في الحساب ليصبح بذلك حجم الودائع 2710 دولار أميركي في حين أن الكاش الحقيقي هو 1000 دولار أميركي. هذه الأمر يمكن أن يستمر حتى أخر دولار من الـ 1000 دولار الأساسية، إلا أن المصارف المركزية تضع قيودًا للجم المخاطر، وذلك من باب نسبة الاحتياطي الإلزامي (required reserve ratios) ومن باب رأسمال المصرف (capital adequacy ratios).

إذًا مما تقدّم، نرى أن النظام المصرفي في الاقتصادات الحرّة، يوسع المعروض النقدي بما يتجاوز المبلغ الأساسي، وهو ما يُسمّى بعملية «التأثير المضاعف» أو multiplier effect. وتُشير البيانات التاريخية إلى أن نسبة ما قد يطلبه أصحاب الودائع لا تتعدّى الـ 10 إلى 15% من إجمالي الودائع، وبالتالي تأتي المعايير الدولية (على مثال بازل 3) لتفرض نسبة سيولة بالمصارف تُحافظ على هذه النسب.

وإذا ما تخطّى طلب المودعين هذه النسب، فإن المصرف يجد نفسه في أزمة سيولة لا تمكّنه من تلبية طلب مودعيه. إذا كانت الحسابات بالعملة الوطنية، فلا مشكلة على هذا الصعيد حيث يقوم المصرف المركزي بضخ أموال في المصرف (الفقرة الثالثة من البند 70 من قانون النقد والتسليف في حال لبنان) لحماية النظام من الانهيار مقابل فوائد يدفعها المصرف من أمواله الخاصة. أمّا إذا كان الحساب بالعملة الصعبة، فإن الأمر يتوقّف على امتلاك المصرف المركزي العملة الصعبة بحكم أن المصرف المركزي لا قدرة له على طبع العملة الصعبة.

هذه المشكلة تتعاظم وتصبح مشكلة نظامية (Systemic) إذا ما قام كل المودعين بطلب أموالهم في الوقت نفسه (Bank run). في هذه الحالة، القطاع المصرفي ينهار حتى في أكثر الدول تطورًا مثل الولايات المتحدة الأميركية. من هنا نشأ مبدأ الكابيتال كونترول – الذي يخالف روحية الاقتصاد الحرّ – للجم التحاويل إلى خارج البلد والقيام بإجراءات تصحيحية لتخفيف الذعر في الأسواق.

من كل ما تقدّم، نرى أنه حتى في الولايات المتحدة الأميركية، هناك استحالة لإعادة كل أموال المودعين إذا ما طلبوها جميعهم، فكيف إذًا الحال في لبنان؟

المشكلة في لبنان أن استهلاك الدولارات على مرّ السنين كان كبيرًا جدًا بين مصاريف القطاع العام (قطاع الكهرباء، السفارات والقنصليات، الأجور في الخارج... ما لا يقلّ عن 4 إلى 5 مليار دولار أميركي سنويًا) وبين حاجات الاقتصاد (إستيراد بمعدّل 20 مليار دولار أميركي في السنوات التي سبقت الأزمة) وبين السياحة اللبنانية في الخارج وتحاويل العاملين الأجانب في لبنان (بمعدّل يفوق الـ 2 إلى 3 مليار دولار أميركي سنويًا). كل هذا من دون أن يكون هناك إنتاج محلّي يؤمّن هذا الكم من الدولارات (التصدير في أحسن أحواله لم يتخطّ الـ 5 مليار دولار أميركي)، بل ان التغطية كانت من باب التدفقات المالية الخارجية: المغتربون بأكثر من 15 مليار دولار أميركي سنويًا مقسومة بين تحاويل وإنفاق سياحي، والودائع (من مغتربين لبنانيين وأجانب). بالطبع هذا الأمر كان ليكون أقلّ سوءًا لو أن الحكومات المتعاقبة فرضت رسوما جمركية على الاستيراد للجمه (أكثر من 120 مليار دولار أميركي في الأعوام السبعة الأخيرة!!)، ولجمت الإنفاق العام (مليار ونصف دولار سنويًا على شراء الفيول مثلاً) بدل ما يطالب به البعض، أي فك ارتباط الليرة بالدولار الأميركي، والذي كان ليكون له التداعيات نفسهاالتي نعيشها اليوم.

الدولة، وكما ذكرنا في العديد من المقالات، فقدت ملاءتها بالدولار الأميركي منذ العام 2015! هذا الأمر يُثبته التعديل الذي قامت به وزارة المال على الـ prospectus لسندات الخزينة بالدولار الأميركي والذي أعطى صغار حاملي السندات الحق في ملاحقة الدولة اللبنانية في حال تخلّفها عن السداد، وذلك بهدف إغراء المستثمرين بضمانات إضافية على الفائدة التي كانت تدفعها. وهنا تبرز المشكلة، إذ إن إقراض القطاع المصرفي للدولة بالعملة الصعبة مع العلم أنها كانت فاقدة للملاءة بالدولار الأميركي منذ العام 2015، كان خطأً إذ كان يجب على القطاع المصرفي دعوة المودعين إلى الاكتتاب مباشرة بالسندات من دون إدخال الأموال في حساباتها المالية.

خطة حكومة الرئيس حسان دياب التي تُلاقي العديد من المدافعين عنها، نصّت على إختفاء القطاع المصرفي الحالي وإنشاء خمسة مصارف بديلة برأسمال 200 مليون دولار أميركي لكل مصرف. الآلية التي نصّت عليها الخطّة تمحي رأسمال المصارف مع وعودة بضمان 98% من الودائع. وهنا تبرز المشكلة، إذ ان تصفير رأسمال المصرف يعني حكمًا أن المصرف لم يعد موجودًا، وبالتالي تختفي معه الودائع التي لم تعط الخطة أي ضمانات لبقائها باستثناء الوعود.

ما يجب معرفته أن هناك مفهومين يجب التمييز بينهما: الأول هو التزام المصرف تجاه المودع، وهذا أمر لا يمكن إلغاؤه إلا من باب إفلاس المصرف، والثاني وجود الأموال التي تغطي الودائع، وهذا الأمر غير متوافر. لكن عدم وجود الأموال لا يعني أنه يحق للمصارف أو الحكومة إلغاء هذه الالتزامات تجاه المودعين. ما هو غير واضح – وهنا يجب انتظار مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف لمعرفة التفاصيل – كيفية تصفير رأسمال مصرف من دون المسّ بالتزاماته تجاه المودعين!!! هل هذا ممكن؟ هل يمكن تصفية مصرف والحفاظ على التزاماته تجاه الآخرين؟

ما يهم اللبناني اليوم، هو الحفاظ على وديعته والسماح له بالاستفادة منها من دون أي اقتطاع. هل يمكن لخطة الحكومة أن تضمن استمرارية الالتزامات تجاه المودعين خصوصًا كما يكثر الحديث في الأروقة عن عودة المصارف الخمسة إلى الواجهة؟

إعادة هيكلة القطاع المصرفي تعني: تغيير في هيكلية المساهمين، و/أو تغيير في الهيكلية القانونية، و/أو تغيير في الهيكلية التنظيمية، و/أو تغيير في طريقة العمل (بحكم أن القطاع يخضع للرقابة). فما هي التغييرات التي ستطرأ على القطاع المصرفي اللبناني في خطة الحكومة لإعادة هيكلية القطاع المصرفي؟ وهل نشهد إنشاء خمسة مصارف برأسمال 200 مليون دولار لكل مصرف، وإذا كان الأمر كذلك، هل ستأخذ هذه المصارف التزامات المصارف السابقة؟ هل يعدّل دخول دولة قطر على الساحة المعطيات المتعلّقة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي؟ كلها أسئلة يجب على الحكومة أن تضع الرأي العام في أجواء طروحاتها.

الأكثر قراءة

الإجراءات القضائيّة ــ الأمنيّة لوقف عمليّات المضاربة «إبرة مورفين»... والعبرة بالتنفيذ باسيل يستدرج العروض الخارجيّة... وباريس تواجه مُجدّداً «فيتو» سعودياً على الحريري! الانقسام في «الجسم» القضائي يتعمّق... إضراب عام في 8 شباط... والعام الدراسي مُهدّد