اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


لا يختلف أحد على أن الطبيعة الإنسانية تميل بحبها للحياة، وأكثر ما يُعمِّق هذه الفكرة الأديان السماوية، لذلك لا يمكن إتهام أي حركة دينية ملتزمة بالضوابط الشرعية بتبنّي ثقافة الموت، بل العكس من ذلك، فإن الأديان وسّعت من مفهوم الحياة الى ما بعد الموت، وهذا بداعي استجابتها للحاجة الفطرية والغريزة الإنسانية التي تُنشِد حب البقاء والخلود.

هنا يأتي السؤال؟ لماذا راجت تُهمة ثقافة الموت بحق حركة مقاوِمة تلتزم الأحكام الدينية، وتفتخر دائماً بانتصاراتها ودفاعها عن حياة الناس؟؟!!.

قد يبدو الجواب بديهياً، وهو كذلك لو كان الجواب استجابة لسؤال معرفي بريء، هل المقاومة في لبنان مع ثقافة الحياة أو ثقافة الموت؟ أما وقد حوّل التكثيف الإعلامي منذ ١٩ عاماً (من عام ٢٠٠٥) هذه الثنائية (ثقافة الحياة وثقافة الموت) الى مادة تحريضية استُخدمت في سياق الحرب النفسية والناعمة، لتنميط بيئة المقاومة وتصويرها كبيئة منتِجة للمأساة ومتبنيّة للخيارات العدمية، فإن الجواب يصبح أكثر تعقيداً، وبما أن المقالة الصحفية لا تتحمّل المناقشات الفلسفية وصناعة المفاهيم الفكرية، فلا بدّ من تبسيط الإجابة ببعض الكلمات:

- أولاً: حب الحياة غريزة إنسانية يشترك فيها كل البشر، بل تمتد الى مخلوقات أخرى من الحيوان والنبات، فالحيوان يعتمد سبلاً للدفاع عن حياته، والنبات يتكيّف مع بيئته لكي يحمي نفسه...

- ثانياً: إن استخدام أي مصطلح دون تعريفه هو خيانة لمدلوله اللغوي، فما المقصود بالحياة؟ هل هي حفاظ الانسان على تنفسه أو دقات قلبه أو دورته الدموية؟ أم هي فرصة التلذذ بالطعام والشراب وممارسة الرغبات وإظهار المفاتن؟ أم هي امتلاك القوّة والقدرة على الدفاع عن القيم والمقدّسات التي تنتمي إليها أي مجموعة بشرية، كما يقول علي بن أبي طالب: "الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين". والتعريف الرابع يتوقف على حسم الإطار الزماني للحياة، هل تقتصر على الزمن الممتد بين الولادة والوفاة؟ أم أنها تمتد الى ما بعد الموت؟ إذاً هناك تعريفات مختلفة للحياة، فأي معنى تريدون بثقافة الحياة؟

- ثالثاً: إن التجهيل الذي اعتمدته الحملات الإعلامية لمعنى ثقافة الحياة وثقافة الموت كان مقصوداً، لأن تعريف المصطلح يَضُر بأهداف مُستَخدميه، وهذا يكشف عن الخلفيات التحريضية والدعائية التي تقف خلف هذه الحملات الممَوَّلة.

- رابعاً: المتهمون بثقافة الموت هم أكثر الناس تضحية من أجل حياة غيرهم، ولو كانت التضحية ترويجاً لثقافة الموت لكان السيد المسيح أول المروِّجين لها، وهذا خلاف ما تتبناه الثقافة المسيحية.

- خامساً: مما يدل على الخلفية التحريضية الدعائية لأصحاب هذه المقولة، هو أنهم لم يستخدموها حين كانت المجموعات الإرهابية والتكفيرية تذبح النساء والأطفال في سوريا والعراق، وتفجِّر السيارات المفخخة بالأبرياء في لبنان ولا ضد العدو الصهيوني، الذي لم يكف عن ارتكاب المجازر بحق الأبرياء منذ تأسيسه وارتكابه مجزرة دير ياسين، الى زمان قرْب نهايته ومجازره في غزة، بل على العكس من ذلك هؤلاء أنفسهم كانوا يَصفون المجرمين التكفيريين بالثوار، ويدْعون للسلام مع "إسرائيل".

بعد تشريح هذه المقولة الوظيفية التي تُستخدَم ضد المقاومة، يُمكننا فهم الثنائية الحقيقية التي يتبنّاها قائدها السيد حسن نصرالله، وهي أن التناقض الحقيقي هو بين ثقافة المقاومة وثقافة الإستسلام، وهذه الثنائية تجد مَن يُبرّرها في الخلفيات الفكرية والتجربة التاريخية والمنظومة القيمية، لأن المقاومة تعني امتلاك الإرادة على مواجهة التحديات والإستعداد للتضحية من أجل الإنسان، والإرادة هي العنصر المميِّز للإنسانية، فكلّما ازداد الإنسان مقاومة إزداد إنسانية وكلما ازداد إنسانية صار لحياته معنى.

أما ثقافة الإستسلام فتعني الخضوع أمام التهديد والتنازل عن الحق وتقديم السلامة الشخصية على حساب الأمن الإجتماعي، وإذا أردنا أن نتأكد من جدوى كل من الثقافتين يكفي أن نُلقي نظرة عابرة على مصير الدول التي خضعت واستسلمت، لنجد أن بعضها استفاد إقتصادياً حين فقد هويته الثقافية، وأن بعضها لا زال تحت رحمة القوي وينتظر أن يُغيثه بمساعدات ويخاف على شعبه من المجاعة، بل يُدير خطة القوي لتجويع شعبه لسلبه إرادة المقاومة والأمثلة كثيرة على ذلك.

من هنا يُمكن الإستنتاج أن ثقافة الحياة وثقافة الموت هي ثنائية سخيفة ناتجة عن خلفيات تحريضية، ولا ترتكز على مبادىء فكرية أو فلسفية أو أخلاقية، بينما ثقافة المقاومة وثقافة الإستسلام، هي الثنائية الحقيقية التي تستند الى مبادىء وقيم ومفاهيم أخلاقية من المفروض أن لا يختلف عليها أحد...

الأكثر قراءة

بكركي ترفض «دفن الديمقراطية وخلق السوابق» وبري يعتبر بيان «الخماسية» يُـكمل مبادرته شرف الدين يكشف لـ«الديار» عن لوائح للنازحين تنتظر موافقة الامن الوطني السوري تكثيف معاد للإغتيالات من الجنوب الى البقاع... والمقاومة مستمرة بالعمليات الردعية