اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


لعلّ أكثر ما يُقلق اللبنانيون اليوم هو ما يستمرّ العدو الإسرائيلي بالتهديد به، ألا وهو توسيع الحرب على لبنان بعد الانتهاء من عملية رفح. ولهذا تسعى دول الخارج المعنية بالملف اللبناني، من خلال موفديها الى لبنان والمنطقة الى التحذير من اجتياح معبر رفح، كما من التصعيد الأمني عند الجبهة الجنوبية كون هذا الأمر سيؤدّي الى حرب إقليمية لن يسلم منها أحد. ومن هنا، أتت جبهة الإسناد لحرب غزّة من قبل "حزب الله" لتصبّ في إطار ردع العدو الإسرائيلي عن التمادي في اعتداءاته على لبنان. فهل ستشهد الحدود اللبنانية "صيفاً ساخناً"، على ما يتوعّد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ويتحدّث وزير الدفاع يوآف غالانت، وستبقى في إطار الحدود اللبنانية أو ستتوسّع الى المنطقة ككلّ، أم أنّ قوّة الردع التي يملكها "حزب الله" ستُثني "الإسرائيلي" عن القيام بمثل هذه الخطوة؟!

مصادر سياسية مطّلعة تجد أنّ وقف إطلاق النار في قطاع غزّة والاتفاق على هدنة طويلة الأمد، من شأنه تغيير المشهد السياسي والعسكري الحاصل اليوم. غير أنّ لا شيء يوحي حتى الساعة بالموافقة على هذه الهدنة، وإلّا لما كانت الولايات المتحدة الأميركية تستكمل بناء الميناء العائم المؤقّت على شواطىء قطاع غزّة بمساحة تُقدّر بأكثر من 281 دونماً، لكي يتمّ من خلاله نقل المساعدات الإنسانية لأهالي غزّة المحاصرين من قبل الإسرائيليين. ويبدو بوضوح أنّ بناء هذا الميناء هو مدخل لتكريس أهداف الاحتلال، ولا سيما تهجير الفلسطينيين من القطاع وتقديم تسهيلات للتأشيرات للخروج منه الى مصر، بعد تدميره بشكل كامل وجعله منطقة غير قابلة للحياة. علماً بأنّ إعادة إعمار قطاع غزّة تحتاج الى مليارات الدولارات والى أكثر من عشر سنوات ليعود كما كان عليه. غير أنّ الوساطة الغربية والعربية لا تزال مستمرّة لوقف مثل هذا المخطط.

وفي ما يتعلّق بربط عملية اجتياح رفح بالتصعيد عند الجبهة الجنوبية، فتعتبر المصادر أنّه في حال جرى الدخول الى رفح، فإنّ المشهد العام في المنطقة سيتغيّر. كما أنّ نتنياهو سيُكمل الى لبنان، على ما يُهدّد منذ بداية حرب غزّة، وحتى اليوم، ويعلن بأنّه فور القيام باجتياح رفح فإنّه سيتوجّه الى الحدود الشمالية (أي الى الجبهة اللبنانية الجنوبية). واللافت أنّ كلّ ما صرّح عنه نتنياهو في غزّة قد قام به حتى الآن، رغم التحذيرات الأميركية والغربية له. لكن يبدو في الوقت نفسه أنّ ثمّة مخاوف إسرائيلية داخلية من اندفاع نتنياهو باتجاه جنوب لبنان، بعد رفح، وتوريط الأميركيين الرافضين لذلك بحرب إقليمية. كذلك يعلم "الإسرائيليون" أنّ قدرات "حزب الله" ومنظومة الصواريخ التي يملكها والتي لا يعلم عنها العدو شيئاً، تختلف عن قدرات حركة "حماس"، وهي تُشكّل قوة ردع فعلية له في حال قرّر شنّ أي عملية بريّة أو أي إعتداء من نوع آخر على لبنان.

من هنا، فإنّ دخول رفح، بحسب رأيها، قد يُفاقم من المواجهات العسكرية القائمة بين "حزب الله" و "الإسرائيليين"، إلّا أنّ الأمر لن يتطوّر الى حرب موسّعة، وخصوصاً أنّ الأميركي لا يزال غير مقتنع بالتصعيد، وبإدخال المنطقة ككلّ في حرب شاملة. كما يخشى "الإسرائيليون" من أن يُبادر "حزب الله" بالقيام بضربة ما في حال قام بخطوة اجتياح معبر رفح، ما يجعلهم يحسبون ألف حساب لمثل هذا الأمر، قبل المضي جدياً بهذه العملية. كذلك فإنّ الجبهات التي فُتحت ضد "إسرائيل" بعد عملية "طوفان الأقصى"، إن في لبنان أو في اليمن أو في العراق، ستجعل "الإسرائيلي" يُدرك أنّ "الصيف الساخن" الذي يتوعّد به لبنان، سينعكس عليه في الداخل من قبل كلّ هذه الجبهات المفتوحة، الأمر الذي لم يشهد مثيلاً له في السابق. فوحدة الساحات ستكون منطلقاً للرد في حال واصل العدو حربه في المنطقة، بدلاً من اتخاذ قرار الذهاب الى هدنة طويلة الأمد.

وأكّدت المصادر ذاتها أنّ أكثر ما يخشى منه "الإسرائيلي" في حال وافق على الهدنة، هو اعتباره "مهزوماً" في هذه الحرب، التي لم يُحقّق فيها أهدافه الرئيسية لا سيما القضاء على قادة حركة "حماس" واسترجاع الأسرى. في حين أنّ كلّ ما قام به بحربه الوحشية على القطاع هو جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، التي يحاكم عليها حالياً في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وتدمير القطاع وتسويته بالأرض بهدف تهجير سكّانه منه الى مصر.  وهذا يعني بالتالي "انتصار" المقاومة الفلسطينية، وإن تمكّن من تهجير الشعب وقتل نحو 35 ألف وجرح أكثر من 78 ألف فلسطيني.

وبما أنّ الجبهة الجنوبية تُشكّل خطراً أمنياً كبيراً على "الإسرائيلي" الذي يصرّ على إعادة المستوطنين الذين أخلوا منازلهم في 7 تشرين الأول الفائت بأمر منه، تبقى إمكانية قيامه بعدوان ما على لبنان، أمراً محتملاً، من وجهة نظره، لا يزال يهدّد به. ومن يهدّد عادة مرّات عديدة لا يفعل. ولهذا يفكّر الإسرائيلي في تنفيذ ضربة جويّة ليس فقط على الجنوب، إنّما على سائر المناطق اللبنانية، كونه لا يمكنه القيام بعملية بريّة مضمونة النتائج، لكن مثل هذا الأمر من شأنه توريطه في حرب شاملة.

في الوقت نفسه، يعلم "الإسرائيلي" الذي يعتبر أنّه يخوض "حرب وجود"، بحسب معتقداته، على ما ختمت المصادر نفسها أنّ "حزب الله" لن يقف مكتوف الأيدي فصواريخه تصل الى العمق، وقد وصلت الى حدود عكّا ويمكنها بالتالي الوصول الى حيفا وأبعد منها أيضاً. كما أنّه لا يزال يحافظ ضمناً على قواعد الاشتباك، ولم يتعرّض للمدنيين، على غرار ما يفعل "الإسرائيلي" من خلال قصفه للمناطق الجنوبية. لهذا فهو لا يزال يفكّر كثيراً قبل اتخاذ قرار توسيع الحرب على بعض المناطق اللبنانية، سيما أنّ حرب غزّة قد قسمت دول العالم الى حِلفين سياسيين وعسكريين، رغم المفاوضات الجارية للتسوية، وكلّ منهما سيُبادر الى الحرب في حال جرى التصعيد، وشنّ عدوان إسرائيلي على لبنان غير مبرّر. غير أنّ أيا من الحلفين لا يزال يؤكّد أنّه يرفض توسيع الحرب ويضغط على المعنيين لكيلا تحصل رغم كل التهديدات.

 

الأكثر قراءة

الساعة الكبرى... حرب المائة عام