اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا نحتاج الى عيني زرقاء اليمامة، ولا الى الأشعة ما تحت الحمراء، لندرك، كدولة عارية عسكرياً واقتصادياً ومالياً، اننا أمام خيارات قاتلة في مواجهة دولة مجنونة، وتملك كل امكانات القوة، وبدفع ايديولوجي لا مكان فيه لللآخر (العربي الجيد هو العربي الميت).

اما الحرب الأهلية، وهناك من يشحذ أسنانه، وأظافره، لتلك اللحظة كمدخل الى الغيتوات الطائفية ـ المقابر الطائفية ـ أو الحرب الاسرائيلية التي تعني تدمير ما تبقى من لبنان. على الأقل المناطق التي يفترض الثأر منها بازالتها من الوجود، أو الزحف على ظهورنا، الى الهيكل لنكون... قهرمانات الهيكل!

كنا قد كتبنا عن أوراقنا المحترقة. حتى فرنسا الخائفة على لبنان، ان لكونه البوابة الأخيرة الى الشرق الأوسط، أو لكونه ولد في قصر فرساي. (الملك لويس التاسع ـ القديس ـ وصف موارنة لبنان بـ»فرنسيي الشرق»)،  تبدو وقد فقدت أي تاثير لها في البيت الأبيض، بعدما وضع دونالد ترامب القارة العجوز أمام أزمة البقاء واللابقاء بتعرفات جمركية لكأنها اعلان حرب على الكرة الأرضية التي غدت «الكرة الأميركية».

لا شك أن جانباً أساسياً من «المسألة اللبنانية» يرتبط بالمسار الذي تأخذه العلاقات بين واشنطن وطهران. هذا هو تهديد ترامب الى آيات الله. اما سقوط الدولة أو سقوط النظام. الاسرائيليون لا يكتفون باعادة نسبة تخصيب اليورانيوم الى 3.67% كما قضى بذلك اتفاق فيينا، وبعدما ظن الايرانيون أن رفع النسبة الى 60%، القريب من اللحظة النووية الأخيرة 90%، يمكن استعماله كورقة تكتيكية ضاغطة في وجه الولايات المتحدة. أكثر من مسؤول في تل أبيب دعا الى تفكيك البرنامج النووي الايراني.

ولكن أي خيارات الآن أمام ايران سوى أن تذهب الى ردهة المفاوضات (ما معنى المفاوضات غير المباشرة؟)، ودون أن تضع أسنانها على الطاولة بعدما فقدت كل ديناميكيتها الجيوسياسية من ضفاف الخليج الى ضفاف المتوسط، ومن جبال آزادكوه في مازنداران الى جبال مران في صعدة.

صحيفة «وول ستريت جورنال» كانت تتعامل باعجاب مع ديبلوماسية حائكي السجاد، والبراعة في اللعب على حافة الهاوية (brinkmanship). ألان ترى أنهم، وبعد تلك السلسلة من الصدمات، يلعبون في قعر الهاوية، وأمام خيارات بالغة الخطورة، ليكتفي سيرغي لافروف بالتحذير من استهداف البنى التحتية النووية في ايران (ماتأثير النظائر المشعة التي أفلتت من الجدران على البلدان المجاورة؟). أما بكين فقد اعتبرت أنها بالتظاهرات البهلوانية في محيط تايوان تجعل ترامب يتراجع عن اجراءاته الاقتصادية.

لا ندري كيف يمكن للثنائي الرئيس جوزف عون والرئيس نواف سلام أن يشق الطريق وسط تلك الأهوال، وليس فقط وسط تلك الأدغال. كنا نعتقد أن ابتسامة مورغان أورتاغوس ستحل محل تكشيرة ديفيد شينكر. طبعاً هي ليست بدهاء آموس هوكشتين، اليهودي مثلها، وتحاول أن تفرض حضورها عبر «ديبلوماسية المطرقة». ولكن يبدو أن رئيسها ستيفن ويتكوف، الآتي من عالم المال، والذي يتقن فن الصفقات، طلب منها التخفيف من حدة مواقفها حيال لبنان، وانتظار ما يمكن أن تسفر عنه الوساطات الراهنة بين واشنطن وطهران. هذا ما حصل. لقاءاتها في بيروت كانت أقل توتراً. لا تلويح بالاصبع المرصع بنجمة داود...

سوريا أيضاً أمام الخيارات القاتلة. بالدرجة الأولى هي رهينة ديبلوماسية الثعبان، أو استراتيجية الثعبان، لرجب طيب اردوغان، وحيث الدوران العبثي حول الذات. الرجل الذي ظن أنه بتنصيب أبي محمد الجولاني على رأس الدولة في سوريا، واعادة تشكيله، ان بالاسم أو بالمظهر، يفتح أمامه أبواب المنطقة دون أن يأخذ بالاعتبار أن بنيامين نتنياهو ينتظره عند أبواب دمشق، وأن هذا الأخير الذي تعهد بتغيير الشرق الأوسط وضع تركيا على الخريطة ايضاً. الغريب هنا أن الرئيس التركي يعرف، ويعترف بذلك. هذا لم يمنعه من المجازفة ووضع رأسه بين أيدي مجانين يهوه.

اردوغان مستعد لتقديم أي أجزاء من سوريا لاسرائيل، مقابل أن تكون بلاده المحطة المركزية لنقل غاز شرق وجنوب المتوسط الى أوروبا، وهذا ما يثير العيون الحمراء ان في موسكو أو في واشنطن التي كافأته بحل مشكلة «قوات سوريا الديموقراطية» في الشرق، والشمال، السورييين، لازاحته نظام بشار الأسد.

تركيا شريكة لاسرائيل في ابقاء الدولة السوريا دون جيش فاعل على الأرض. حقان فيدان أعلن أول من أمس أن بلاده لن تخوض المواجهة مع اسرائيل في سوريا. موقف عجيب، بل موقف زبائني ويثير الشبهات حول ما يمكن فعله بدمشق.

دبابات الميركافا تتوغل أكثر فأكثر في قضم الأرض السوريا. هنا الغرابة في موقف الفصائل الحاكمة. هذه التي احترفت القتال والقتل في كل الاتجاهات تستثني اسرائيل من أي رصاصة، وحتى من أي كلمة. ما يعنيها أن تتكدس الجماهير «المؤمنة» في المساجد، وأن تبرر مواقفها المهينة بالتصدي لـ «فلول النظام» بالمجازر ضد الأقليات.

كنا نتمنى أن يكون لبنان وسوريا أمام الجنون الاسرائيلي في خندق واحد، لا في مأزق واحد، لكننا الدمى في المتاهة الاقليمية الفاشلة، وفي الحظيرة الأميركية (الاسرائيلية). حال العرب أيضاً من المحيط الى الخليج.

الأكثر قراءة

لبنان يستوعب زيارة اورتاغوس بأجواءٍ «جيدة وبنّاءة» خارج خطاب التهديد الأميركي مجلس الوزراء يتجه لإقرار إعادة هيكلة المصارف... والإصلاح والدمج للمتعثرة