اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


يعتبر فقدان الشهية أو عدم الشعور بالجوع من الحالات الشائعة التي يمرّ بها معظم الناس في مرحلةٍ ما من حياتهم، سواء بشكلٍ مؤقت أو مستمر. ورغم أن الأمر قد يبدو بسيطًا في البداية، إلا أنّ تكراره أو استمراره لفترة طويلة قد يُشير إلى خلل جسدي أو نفسي يحتاج إلى متابعة. فالجوع ليس مجرد رغبة في تناول الطعام، بل هو عملية بيولوجية معقّدة تتحكم فيها هرمونات وإشارات عصبية دقيقة تهدف إلى تزويد الجسم بالطاقة التي يحتاج اليها.

يعتمد الشعور بالجوع على تفاعلٍ متكامل بين الدماغ والجهاز الهضمي. فعندما ينخفض مستوى السكر في الدم، يرسل الدماغ إشارات إلى المعدة لإفراز هرمون الغريلين، الذي يُحفّز الشهية. وفي المقابل، عندما يتناول الإنسان الطعام، يفرز الجسم هرمونات أخرى مثل اللبتين والأنسولين، التي ترسل إشارات الشبع إلى الدماغ. أي خلل في هذه المنظومة، سواء نتيجة اضطرابات هرمونية أو عصبية، يمكن أن يؤدي إلى ضعف الإحساس بالجوع أو فقدان الشهية تمامًا.

هذا ويعد العامل النفسي من أبرز الأسباب التي تفسر فقدان الشهية لدى كثيرين. فالتوتر المزمن، والاكتئاب، والقلق، وحتى الصدمات العاطفية، تؤثر جميعها في مراكز الشهية في الدماغ، مما يجعل الشخص غير قادر على تناول الطعام رغم حاجته الجسدية إليه. وغالبًا ما يُلاحظ هذا الأمر لدى الأشخاص الذين يعيشون فترات من الحزن أو الضغط الشديد، حيث يتراجع الإحساس بالجوع بشكلٍ ملحوظ.

كما أن بعض الحالات النفسية، مثل اضطرابات الأكل (كفقدان الشهية العصبي أو النهام العصبي)، تُظهر علاقة وثيقة بين الصورة الذاتية للجسم والرغبة في تناول الطعام. في هذه الحالات، يتحول الجوع إلى قضية نفسية أكثر منها بيولوجية، مما يستدعي علاجًا مزدوجًا يجمع بين الدعم النفسي والعلاج الغذائي.

من الناحية الطبية، هناك مجموعة من الأسباب الجسدية التي قد تؤدي إلى فقدان الإحساس بالجوع. من أبرزها الالتهابات الفيروسية أو البكتيرية التي تصيب الجهاز الهضمي وتُضعف الشهية مؤقتًا، وكذلك اضطرابات الغدة الدرقية، خاصة عند انخفاض نشاطها، إذ يُبطئ ذلك عملية الأيض ويقلل الرغبة في الأكل.

كما تُعد الأمراض المزمنة مثل الفشل الكلوي أو أمراض الكبد أو السرطان من العوامل التي تؤثر على الشهية، إما بسبب تأثير المرض نفسه على الهرمونات والأنزيمات، أو نتيجة الأدوية والعلاجات المستخدمة. كذلك، يمكن أن يؤدي نقص بعض الفيتامينات والمعادن، مثل الزنك أو فيتامين B12، إلى تغيّر في حاسة التذوق وفقدان الرغبة في الطعام.

كما لا يمكن إغفال دور نمط الحياة اليومي في ضعف الشهية. فقلة النوم، والإفراط في تناول الكافيين، وتخطي الوجبات بانتظام، جميعها تُربك النظام الطبيعي للشهية. كما أن تناول الوجبات السريعة الغنية بالدهون والسكريات يضعف توازن الهرمونات المنظمة للجوع، مما يجعل الجسم أقل حساسية لإشارات الجوع الحقيقية.

إضافة إلى ذلك، فإن الجلوس لساعات طويلة دون حركة، سواء في المكتب أو أمام الشاشات، يُقلّل من معدل الحرق في الجسم، ويجعل الإشارات العصبية المسؤولة عن الجوع أقل نشاطًا. هذه العوامل مجتمعة قد تخلق نمطًا من “الكسل الأيضي” الذي يجعل الشخص لا يشعر بالجوع حتى مع انخفاض طاقته.

إذا كان فقدان الشهية مؤقتًا ويرتبط بعوامل واضحة مثل التعب أو المرض العابر، فلا داعي للقلق عادة. لكن استمرار الحالة لأكثر من أسبوعين، أو مرافقتها لأعراض أخرى مثل فقدان الوزن غير المبرر، أو الغثيان المستمر، أو الضعف العام، يستدعي مراجعة الطبيب لإجراء الفحوصات اللازمة.

ففي بعض الحالات، يكون فقدان الشهية عرضًا مبكرًا لمشكلة صحية كامنة، وقد يساعد الكشف المبكر في تجنب تفاقمها. كما يُنصح بمراقبة الحالة النفسية، لأن الاكتئاب واضطرابات القلق كثيرًا ما تبدأ بعلامات خفية، من بينها فقدان الرغبة في الطعام.

أخيراً، يمكن القول إن فقدان الإحساس بالجوع ليس مجرد مسألة شهية، بل هو انعكاس لحالة الجسم والعقل معًا. فهو قد ينشأ من اضطراب هرموني أو عضوي، أو من توتر نفسي خفي، أو حتى من نمط حياة غير متوازن. لذا، فإن الانتباه إلى الإشارات التي يرسلها الجسم، ومراعاة التوازن بين الغذاء والنوم والنشاط، تبقى الخطوة الأولى نحو استعادة الشهية والحفاظ على الصحة العامة.

الأكثر قراءة

ترامب يتراجع عن الضربة: خدعة أم تحول في ملف إيران؟ «اسرائيل» تغير قواعد الاشتباك... وحزب الله متوجس بعد كلام رجي بن فرحان «يلملم» الوضع السني... علامات استفهام حول التعيينات!