في بلدٍ لطالما لُقب بـ "خزان مياه الشرق"، تحولت أبسط حقوق الإنسان، نقطة المياه النظيفة، إلى حلمٍ بعيد المنال وهَمٍّ يكسر ظهر اللبنانيين يوميًا. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد "نقص في الإمدادات"، بل هو أزمة وجودية تتغلغل في تفاصيل حياتنا، محولةً روتيننا اليومي إلى رحلة شاقة للبحث عن وسيلة لسد العطش أو غسل الوجوه.
رغم أن قمم جبالنا تكللت بالثلوج، وودياننا ارتوت بالأمطار الأخيرة، فإن هذه الخيرات تذهب هباءً تحت وطأة البنى التحتية المتهالكة وغياب التخطيط. الأزمة الحقيقية تكمن في ذاك التناقض الصارخ، أن نغرق في الشوارع من مياه الأمطار، ونعطش داخل بيوتنا. هذا الواقع المرير أجبر العائلات اللبنانية على الوقوع في فخ "مافيا الصهاريج"، حيث يُستنزف ما تبقى من مدخّراتهم لشراء مياهٍ لا تخضع لرقابة، وغالباً ما تكون ممزوجة بمياه الصرف الصحي والسموم البيئية، مما يجعلنا أمام خيارين أحلاهما مرّ: دفع الثمن مالاً، أو دفعه من صحة أطفالنا وأجسادنا.
الأمطار وحدها لا تكفي
في قراءة تقنية لواقع الحال، يكسر الخبير البيئي، رئيس حزب "البيئة العالمي" البروفيسور ضومط كامل، حالة التفاؤل الحذر التي سادت مع تساقط الأمطار والثلوج في الآونة الأخيرة. فأوضح لـ "الديار" أن "المشهد الأبيض الذي غطى الجبال والسيول التي ملأت الطرقات، ما هي إلا "قشرة" تخفي خلفها أزمة مائية متجذرة"، مؤكداً أن "الأمطار وحدها لم تعد تكفي، في ظل غياب سياسات الحصاد المائي".
من قمم الجبال إلى قاع البحر يشير كامل إلى "حقيقة مؤلمة"، وهي أن "الكميات الكبيرة من المتساقطات التي شهدها لبنان، لم تجد طريقها إلى مخازننا الاستراتيجية. فبدلاً من أن تتسرب لتغذي المياه الجوفية، التي تشكل شريان الحياة لمعظم المناطق اللبنانية، ذهبت أغلب هذه المياه "هباءً منثوراً"، حيث تدفقت عبر الأنهر لتصب مباشرة في البحر، نتيجة غياب السدود الترابية الكفيلة بحجزها، وانسداد مسارب التغذية الطبيعية بفعل الزحف العمراني والتلوث".
الحقيقة الرقمية الصادمة
وبِلغة الأرقام، كشف كامل "أن مستوى الأمطار، رغم غزارته النسبية خلال أسبوع واحد، لا يتجاوز في الواقع نسبة 10% فقط من الكميات الإجمالية المطلوبة، لسد العجز المائي المتراكم. فالمعادلة المائية في لبنان تعاني من اختلال حاد، إذ إن "طفرة" مطرية لمدة 3 أو 5 أيام لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، أن تعوض جفافاً استمر لأكثر من ثلاثة أشهر، أو أن تملأ فجوات الخزانات الجوفية، التي استُنزفت بشكل جائر خلال المواسم الماضية".
ويحذر من "أن هذا العجز في التغذية الجوفية، سيضع استقرار الإمدادات المائية في "عين العاصفة" خلال فصل الصيف المقبل. فالمياه التي نهدرها اليوم في البحر هي ذاتها التي سنستجديها عبر الصهاريج في تموز وآب. إن استمرار هذا النمط من الإدارة، يعني أننا أمام "أزمة مستدامة"، حيث تتحوّل الأمطار من نعمة إلهية إلى مجرد مياه عابرة، لا تروي أرضاً ولا تملأ بئراً، مما يفرض ضرورة التحرك الفوري، لتبني استراتيجيات بيئية تنقذ ما تبقى من ثروة لبنان المائية قبل فوات الأوان".
الينابيع والأنهار… علامات لم تتحسن بعد
على الرغم من هطل الأمطار، لا تزال الينابيع والأنهار اللبنانية، بعيدة عن العودة إلى حالتها الطبيعية، ما يجعل الواقع المائي هشاً جدا، ويهدد الأمن المائي للمواطنين بشكل مباشر. وهنا يشير كامل إلى "أن أي تحسن ملموس في الوضع، يتطلب ارتفاع مستوى الأنهار بشكل طبيعي، واستمرار اندفاع الينابيع لتزويد السكان بالمياه، كما كان الحال في السنوات السابقة".
ويضيف "أن غياب استراتيجية مائية واضحة، يعد أحد أبرز أسباب استمرار هذه الأزمة المزمنة، فلبنان يفتقر إلى برامج توعية فعّالة، لتثقيف المواطنين حول كيفية استغلال كل نقطة ماء تسقط من السماء، سواء في الزراعة أو الاستخدام المنزلي. هذا النقص في التخطيط والإدارة أدى إلى اعتماد واسع على مياه الصهاريج غير المضمونة، ما يزيد من المخاطر الصحية، خصوصاً عند استخدام هذه المياه في غسل الخضر والفواكه، حيث قد تكون ملوثة بمياه الصرف الصحي".
ويحذر الخبير من "أن استمرار هذا الواقع دون معالجة شاملة، سيؤدي إلى تفاقم أزمة المياه في السنوات المقبلة، ما يستدعي تدخلات عاجلة على المستويين الحكومي والشعبي، لضمان إدارة رشيدة للموارد المائية، وحماية صحة المواطنين".
المياه الجوفية تحت الخطر
ويقول "حتى بعد العواصف المطرية الأخيرة، لا يزال مستوى المياه الجوفية أقل من المطلوب، بسبب الاستخدام العشوائي للمياه في الماضي، وغياب إدارة مستدامة لها. كما أن العديد من الآبار الارتوازية تستخدم للصرف الصحي دون معالجة، ما يزيد من خطورة التلوث وانتشار الأمراض".
ويشير إلى "أن الاستفادة الفعلية من المياه الجوفية، تتطلب تنظيم استهلاكها وتقنينها قبل فصل الصيف، بحيث تُغطى الاحتياجات الأساسية، دون وقوع كارثة جديدة". كما يؤكد "أن درجات الحرارة المرتفعة وعدم تساقط الثلوج بشكل كافٍ على ارتفاعات عالية، يقلل من فرصة إعادة تغذية خزانات المياه بشكل طبيعي، ما يزيد من هشاشة الوضع المائي في لبنان".
لبنان أمام مستقبل مائي مظلم
ويؤكد انه "إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن مستقبل لبنان المائي سيكون مظلما وخطِرا جدا". ويشدد على "أن الاستراتيجيات الحالية لا تكفي لمواجهة أي نقص مائي محتمل، وأن عدم وجود إدارة فعالة وشاملة للموارد المائية، سيؤدي إلى تفاقم أزمة المياه، مع تأثيرات صحية وبيئية واجتماعية كبيرة على المواطنين".
ويختم الخبير البيئي بالتحذير من "أن لبنان بحاجة إلى حملات توعية، استراتيجيات تقنين فعالة، وإدارة شاملة للمياه الجوفية، لضمان إمكانية مرور فصل الصيف المقبل دون أزمة مائية كارثية، وللحفاظ على حياة المواطنين والصحة العامة في البلاد".
أخيراً، يتبين أن لبنان يقف اليوم على مفترق طرق مائي خطر، فالمتغيرات المناخية، وسوء الإدارة اجتمعا ليضعا الأمن المائي والغذائي في مهب الريح. إن تحذيرات الخبراء واضحة: الأمطار هي "مسكّن" مؤقت، وليس علاجاً للأزمة المتجذرة. المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة "رد الفعل" عند العطش، إلى سياسة "التخطيط الاستباقي" والحصاد المائي العلمي. فالثروة التي تهدر اليوم هي حق الأجيال القادمة، والصمت عن هذا الهدر هو شراكة في جريمة بيئية، ستدفع ثمنها صحة كل لبناني واستقرار هذا الوطن.
فهل تتحرك الجهات المعنية لإنقاذ ما تبقى من ثروتنا المائية؟ أم أننا سننتظر حتى يجف آخر نبعٍ في لبنان؟
يتم قراءة الآن
-
لبنان ينتظر خارطة الطريق الأميركيّة... والاعتداءات الإسرائيليّة طالت «اليونيفيل» الاهتمامات السنيّة أخذت الحيّز الأكبر من زيارة بن فرحان تخبّط حكومي في مُعالجة الرواتب... وهجرة الشباب الى أعلى مُعدّلاتها؟
-
الضياع الأميركي و"الإسرائيلي" في الشرق الأوسط
-
هذا ما يرسمه بن فرحان لسنّة لبنان
-
ترامب يضرب أميركا لا ايران
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
16:29
"قسد": نخوض اشتباكات عنيفة مع فصائل تابعة لحكومة دمشق في منطقة حقل الثورة جنوب منطقة الطبقة والتي كانت خارج نطاق الاتفاقية.
-
16:29
هيئة عمليات الجيش السوري: سيطرنا على 7 قرى في محيط منطقة الرصافة ما يضيق الخناق على قسد في مطار الطبقة.
-
16:29
هيئة عمليات الجيش السوري: سيطرنا على منطقة الرصافة وقلعتها الأثرية بريف الرقة الجنوبي، والجيش يؤمن عشرات من عناصر قسد بعد انشقاقهم في منطقة معدان بريف الرقة.
-
16:02
الجيش السوري: باغتنا حزب العمال الكردستاني وسيطرنا على جسر شعيب الذكر غرب الرقة قبل أن تفجره الميليشيات.
-
16:01
الداخلية السورية: وحداتنا بدأت الدخول إلى مسكنة بريف حلب الشرقي لحماية المدنيين والمنشآت.
-
15:40
الجيش السوري: نطالب قيادة تنظيم قسد بالوفاء الفوري بتعهداتها المعلنة بإخلاء مدينة الطبقة من المظاهر العسكرية والانسحاب الكامل إلى شرق نهر الفرات.
