اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تواجه البشرية في هذا العام اختباراً مناخياً غير مسبوق، حيث تتجه أنظار علماء الأرصاد الجوية والخبراء بكثير من القلق نحو المحيط الهادئ. التحذيرات الحالية تتجاوز السجلات المعتادة، فالأمر لا يتعلق بمجرد صيف ساخن آخر، بل بنمط مناخي جامح يُعرف بـ "النينيو الخارق".

ظاهرة "النينيو الخارق": ما الفارق بينها وبين الظاهرة العادية؟

في الحالة الطبيعية، تعتبر ظاهرة "النينيو" دورة مناخية طبيعية تحدث كل بضع سنوات، نتيجة لارتفاع غير معتاد في درجة حرارة المياه السطحية في الجزء الشرقي والوسط من المحيط الهادئ الاستوائي. هذا الاحترار في المياه يؤدي بالتبعية إلى تسخين طبقات الهواء الملامسة لها، مما يخل بتوازن تيارات الرياح العالمية، وينعكس على شكل اضطرابات جوية حادة تشمل الفيضانات، الجفاف، وموجات الحر.

أما "النينيو الخارق"، فهو النسخة الأكثر تطرفاً وعنفاً من هذه الظاهرة. والفيصل هنا هو درجة الحرارة المستمرة:

النينيو العادي: يرتفع فيه معدل حرارة سطح المحيط بنسب طفيفة إلى متوسطة فوق المعدلات السنوية.

النينيو الخارق: يتحقق عندما تقفز درجات حرارة المياه بمقدار 4 درجات مئوية أو أكثر فوق المعدل الطبيعي.

اليوم، تُظهر قراءات الأقمار الصناعية والمشغلات البحرية أن حرارة المحيط الهادئ باتت بالفعل أعلى من معدلها بمقدار درجتين إلى ثلاث درجات مئوية. هذا الاحتقان الحراري يضع الكوكب على أعتاب سيناريو مخيف؛ حيث تشير الحسابات الاحتمالية للفترة بين يونيو وأغسطس 2026 إلى أن فرصة تطور "نينيو" عادي تصل إلى 62%، في حين أن هناك احتمالية مقلقة بنسبة 25% لولادة "النينيو الخارق". وإذا ما تحقق الاحتمال الأخير، فإن عام 2026 سيتربع منفصلاً على عرش أكثر الأعوام سخونة في السجلات البشرية.

جردة حساب تاريخية: ماذا حدث في المرات السابقة؟

تاريخ الكوكب مع هذه الظاهرة المتطرفة يحمل ذكريات قاتمة؛ إذ لم يمر "النينيو الخارق" يوماً دون أن يترك خلفه ندوباً اقتصادية وبيئية عميقة:

- شتاء وصيف 1997 - 1998: سُجلت في هذين العامين أقوى ظاهرة "نينيو خارق" في التاريخ الحديث. وكانت النتيجة موجات جفاف حاد ضربت جنوب شرق آسيا، وتسببت في حرائق غابات كارثية في إندونيسيا التهمت ملايين الهكتارات، وغطت سحب الدخان السام قارة آسيا لأسابيع، ناهيك عن خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات.

- عام 2015: كانت المرة الأخيرة التي شهد فيها العالم هذه الظاهرة بقوتها القصوى. حينها انقلبت أنماط الطقس رأساً على عقب؛ فعانت مناطق واسعة من الجفاف الشديد والحرائق، بينما غرفت مناطق أخرى في فيضانات عارمة، مما أثر بشكل مباشر على سبل عيش وأمن عشرات الملايين من البشر.

خريطة التهديدات العالمية لعام 2026

على الرغم من أن مركز الاضطرابات المناخية المرتبطة بظاهرة “النينيو الخارق” يتمحور في المحيط الهادئ ويمتد تأثيره بشكل مباشر إلى الأمريكتين، فإن تداعياته لا تبقى محصورة في تلك المناطق، بل تنتشر تدريجيًا عبر القارات المختلفة على شكل تأثيرات متسلسلة تشبه أحجار الدومينو، بحيث تتباين شدتها وطبيعتها من منطقة إلى أخرى وفقًا للهشاشة المناخية والبنية الاقتصادية لكل إقليم.

ففي آسيا، يصف الخبراء الوضع بأنه “الثالوث المرعب”، إذ يُتوقع أن تواجه القارة صيفًا بالغ التعقيد يجمع بين ثلاث أزمات مترابطة تحدث في وقت واحد. أول هذه التحديات يتمثل في تدهور الأمن الغذائي نتيجة الجفاف ونقص الأمطار، مما يهدد إنتاج محاصيل أساسية مثل الأرز والحبوب، وهو ما يضع ضغوطًا كبيرة على سلاسل الإمداد الغذائية. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يشهد قطاع الطاقة الكهرومائية تراجعًا ملحوظًا بسبب انخفاض منسوب السدود والأنهار، ما يقلل من قدرة الدول على توليد الكهرباء اعتمادًا على المياه. أما التحدي الثالث فيكمن في الانفجار الحاد في الطلب على الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة كبيرة في استخدام أجهزة التبريد، في وقت تتراجع فيه القدرة الإنتاجية للكهرباء، وهو ما قد يفتح الباب أمام انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي واضطرابات اقتصادية محتملة.

أما في جنوب أوروبا، فإن الصورة لا تقل خطورة، إذ تشير التوقعات إلى أن دولًا مثل إسبانيا والبرتغال واليونان ستكون من بين الأكثر عرضة لموجات حر طويلة وشديدة، إلى جانب فترات جفاف ممتدة ترتبط تاريخيًا بسنوات النينيو. هذا الواقع المناخي يزيد من الضغط على أنظمة الاستجابة للطوارئ، خصوصًا فرق الإطفاء التي قد تجد نفسها أمام موسم حرائق غابات أكثر حدة واتساعًا من المعتاد، في ظل ظروف جافة ودرجات حرارة مرتفعة تسرّع من انتشار النيران.

وفي المقابل، تبدو بريطانيا وشمال أوروبا في وضع مختلف من حيث طبيعة التأثير، حيث لا تتحكم ظاهرة النينيو بشكل مباشر في طقس المملكة المتحدة، إلا أنها تؤثر في الأنماط العامة للغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغييرات غير مباشرة في الطقس. ونتيجة لذلك، قد يشهد هذا الإقليم صيفًا أكثر دفئًا من المعتاد، لكنه في الوقت نفسه قد يترافق مع تقلبات حادة تشمل زيادة احتمالات هطول أمطار غزيرة مفاجئة وحدوث عواصف رعدية قوية، ما يجعل الطقس أقل استقرارًا وأكثر تطرفًا خلال أشهر الصيف.

الوقود الخفي: كيف يغذي التغير المناخي التنين؟

ما يجعل احتمالية “النينيو الخارق” في عام 2026 أكثر خطورة من نسخ سابقة شهدها العالم في 1998 أو 2015 ليس فقط قوة الظاهرة بحد ذاتها، بل السياق المناخي الذي تعمل فيه اليوم. فالعالم لم يعد كما كان قبل عقود؛ إذ أصبح كوكب الأرض يعيش بالفعل حالة من الاحترار المستمر نتيجة تراكم انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية، وهو ما رفع “خط الأساس الحراري” الذي تنطلق منه أي ظاهرة طبيعية لاحقة.

في هذا السياق، لم تعد ظاهرة النينيو مجرد تذبذب طبيعي في حرارة المحيط الهادئ، بل أصبحت تعمل داخل نظام مناخي مضطرب أصلًا، أشبه بجسم يعاني من حمى مزمنة ثم يتعرض لنوبة حرارة إضافية. وعندما تلتقي ظاهرة طبيعية حارة بطبيعتها مع كوكب أكثر دفئًا من المعتاد، فإن النتيجة لا تكون مجرد ارتفاع إضافي في درجات الحرارة، بل تضخيم شامل في شدة الظواهر الجوية المتطرفة.

هذا ويرى علماء المناخ أن الاحتباس الحراري يعمل هنا كعامل مُضخِّم لكل التأثيرات المرتبطة بالنينيو. فموجات الجفاف، التي كانت سابقًا محدودة جغرافيًا وزمنيًا، تصبح أطول وأكثر قسوة وتترك آثارًا أعمق على الزراعة والموارد المائية. وفي المقابل، تتحول الأمطار الغزيرة إلى أحداث أكثر تطرفًا، بحيث لا تعني مجرد هطول وفير، بل فيضانات مفاجئة قادرة على إحداث دمار واسع خلال فترات قصيرة. أما درجات الحرارة المرتفعة، فإنها لا تعود مجرد موجات حر موسمية، بل تتحول إلى فترات خانقة يصعب فيها تحقيق التوازن الحراري للجسم البشري، ما يرفع المخاطر الصحية بشكل غير مسبوق.

لبنان في مواجهة غير مباشرة

رغم أن لبنان ليس ضمن "مراكز التأثير المباشر" لظاهرة النينيو مثل المحيط الهادئ أو بعض مناطق الأمريكتين، إلا أن موقعه في شرق البحر المتوسط يجعله ضمن المناطق التي تتأثر بشكل غير مباشر بالتغيرات المناخية العالمية المرتبطة بهذه الظاهرة. فالتجارب المناخية السابقة تشير إلى أن سنوات النينيو غالبًا ما ترتبط في حوض المتوسط بتغيرات في أنماط الطقس، قد تنعكس على شكل فصول أكثر تقلبًا بين الشتاء والصيف.

في حال تشكل "نينيو خارق" في 2026، قد يواجه لبنان احتمال ارتفاع في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، مع موجات حر أطول وأكثر شدة من المعدلات الطبيعية، خصوصًا في المناطق الداخلية. كما أن اضطراب أنماط الغلاف الجوي قد يؤدي إلى تفاوت في توزيع الأمطار خلال الشتاء، ما ينعكس على مخزون المياه والينابيع، وهي قضية حساسة أساسًا في بلد يعاني من ضغوط مائية وبنية تحتية مائية محدودة.

ورغم أن النينيو لا يُعد العامل الوحيد المؤثر على مناخ لبنان، إلا أنه يعمل كجزء من منظومة أوسع من التغير المناخي العالمي، ما يعني أن تأثيره قد يتضاعف عندما يتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة الإقليمي وتراجع الهطولات المنتظمة. لذلك، فإن لبنان، حتى وإن لم يكن في قلب الحدث، يبقى ضمن دائرة التأثر غير المباشر التي تستدعي متابعة دقيقة واستعدادًا مبكرًا لأي صيف أكثر تطرفًا من المعتاد.

في المحصلة، لا يبدو "النينيو الخارق" مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل مؤشر على مرحلة جديدة من التطرف المناخي الذي يتقاطع مع أزمة الاحتباس الحراري العالمية. ومع احتمال ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في 2026، يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط في فهم هذه الظواهر، بل في الاستعداد لتداعياتها على النظم البيئية والاقتصادات وحياة البشر اليومية.

وبينما يراقب العلماء تطور المؤشرات في المحيط الهادئ، يبقى العالم أمام سؤال أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى يمكن للكوكب أن يتحمل المزيد من الاحترار قبل أن تتحول هذه الاستثناءات المناخية إلى القاعدة الجديدة؟ 

الأكثر قراءة

مصدر رسمي لبناني: ما يجري في واشنطن «هدنة بلاس» و«لواء الجنوب» خرافات