كان السجال محتدماً في الأسبوع الماضي بين الحكومتين الفرنسية والإيطالية اللتين رفضت كل منهما «استقبال» سفينة تابعة «لمنظمة إنسانية» تحمل على متنها 650 مهاجراً جرى إنقاذهم في عرض البحر الأبيض المتوسط، ظلت تراوح أياماً في مكانها بين مالطا وإيطاليا، إلى أن حصلت على إذن من أسبانيا بإنزال ركابها في ميناء فالنسيا.

عيّرت كل من فرنسا وإيطاليا الأخرى بتهربها من واجبها الإنساني ! فكان لذلك صدى يذكر المراقب بأكياس الرز التي وزعت على الصوماليين بموازة عملية «إعادة الأمل» الشهيرة في سنة 1993 (Restore hope)، وبالمأساة الليبيّة وبمحاولة السعوديين والإماراتيين حالياً،  إحتلال ميناء الحديدة في  اليمن بدعم من  الثلاثي الغربي، وبرسائل هذا الثلاثي ترميزاً، تارة بالسلاح الكيماوي تارة أخرى باللغة الكردية وأحياناً بالعبرية، إلى سورية تعبيراً عن أصراره على أخذ مواقع له على الساحة  السورية.

ما تزال قضية اللاجئيين الأفارقة الذين أنزلوا في ميناء فالنسيا قيد المعالجة بحيث يـُؤتي توظيفها بنتائج إيجابية على جميع الحكومات التي تعاطت من قريب أو من بعيد في هذه المسألة . ولكن الغريب أن أحداً لم يسأل على حد علمي، من أين جاء هؤلاء الأفارقة ولماذا جاءوا وماذا يأملون وكم عدد الذين فقدوا أثناء الرحلة في البحر؟ وبكلام أكثر و ضوحاً وصراحة يحق للمراقب أن يسأل عن تأثير  الحروب الغربية (في شمالي أفريقيا وشرقي المتوسط بالإضافة إلى بلاد مالي وأفريقيا الوسطى  ونيجيريا والنيجر وتشاد، والقرن الأفريقي) في زعزعة الإستقرار وفي إعاقة طرق العيش في البلدان التي تتعرض لهذه الحروب، فلا يبقى أمام  أهلها إلا سلوك دروب المنافي.

لكن ما يدهش المراقب إلى حد الذهول هو ما تناهى في الأيام الأخيرة عن المعاملة التي يلقاها المهاجرون خلسة من بلدان أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة الأميركية، بأن يُفصل الأطفال والأولاد عن ذويهم واحتجازهم في أقفاص. آخر الأخبار  تفيد بأن الرئيس الأميركي تجرّح قلبه لمنظر الأطفال يبكون في الأقفاص فقرر إعادتهم إلى أمهاتهم . وهنا أيضاً لم تطرح أسئلة حول أسباب هذا الإجراء الأميركي الوحشي، ما هي الغاية من مصادرة الولايات المتحدة الأميركية  لأولاد وأطفال المهاجرين من أميركا اللاتينية؟ تحضرني في هذا السياق محنة اليهود اليمنيين الذين جُلبوا إلى فلسطين  في سنوات 1948ـ1949 في إطار عملية أطلق عليها آنذاك، في عهد الإمامة في اليمن، إسم «البساط الطائر» شارك فيها البريطانيون والأميركيون، بعد أن أوهموا بأن المسيح قد ظهر. فما جرى لهم وهم يهود شرقيون (مزراحيم) بحسب التراتب الإسرائيلي هو أنهم فقدوا عند وصولهم إلى اسرائيل 3000 إلى 5000 من أطفالهم  الذين كانت تأتي ممرضات وأطباء، فيأخذونهم من عائلاتهم بحجة إجراء فحوصات طبية أو إعطائهم حقن تطعيم ضد الأوبئة . ولكن أثر الأطفال كان يختفي نهائياً فيقال للأهل أنهم توفيوا. الحقيقة أن بعضهم أرسل إلى الغرب لتنشئتهم بعيداً عن العادات اليمنية والبعض الآخر أستخدم في الأبحاث المخبرية والتجارب الطبية!