لا بد في البدء من القول إن النظام الرأسمالي الليبرالي ذو وجهين متلازمين، فهو ديموقراطي في بلاده لأنه يستطيع فيها تسويق ديموقراطية مزيفة ومزوّرة، كونه يمتلك فعلياً أساليب ووسائل الخداع والسلطة من أموال ووعود كاذبة ودعاية قويّة ينشر بواسطتها الأخبار الملفقة والإفتراءات والتحليلات المصنعة بمساعدة خبراء العلاقات العامة بحيث تؤثر في سلوك الناخب وتمكن من استيلاب إرادته وعقله. 
وفي مقابل ذلك له وجه ثان في المستعمرات القديمة والتي صارت جديدة، أي في بلادنا وفي أفريقيا وأميركا اللاتينية، قمعي دموي يقود حروباً شبه إبادية، تدميرية، تخريبية، تهجيرية نحو المنافي براً وبحراً، فيقع الناس بين أيدي المنظمات غير الحكومية.
 ما أود قوله إن جميع الدول التي قتلت مئات الآلاف من العراقيين والليبيين والسوريين واليمنيين هي غربية ديموقراطية! الولايات المتحدة الأميركية التي تصادر أطفال المهاجرين وتضعهم في أقفاص، هي ديموقراطية وعنصرية، مثلها مثل إسرائيل التي تخرج الفلسطينيين من منازلهم وتصادر أرضهم وترسل جنودها ليصطادوا أولاد الفلسطينيين!
الديموقراطية هي كذبة كبيرة إذا لم يسبق تطبيقها وجود مجتمع وطني موحد على أساس قواسم مشتركة غايته الإكتفاء الذاتي في شؤونه المعيشية إستناداً إلى مبادىء ثقافية ووجودية يحرص عليها. وفي هذا السياق تفترض الديموقراطية  توافر مستوى من الوعي والمعرفة وإلتزاماً بواجب الإنتماء إلى المجتمع وبإنجاح تجربته الوطنية هذا من ناحية، اما من ناحية ثانية من نافلة القول إن المشاركة الديموقراطية تتطلّب حرية مطلقة في التعبير، بالإضافة إلى حسن التربية والتهذيب وإحترام رأي الآخر، بحيث يتبنى الجميع موقف الأكثرية. علماً أن الديموقراطية الحقيقية هي نقيض التوافق، ولكن الأقلية تعترف وتلتزم برأي الأكثريّة، دون أن يمنعها ذلك من مواصلة النشاط الفكري طموحاً إلى أن تصير هذه الأقلية أكثرية.
تحسن الإشارة هنا إلى أن الأكثرية الديموقراطية هي أكثرية أفراد اتخذوا موقفاً يتناسب مع قناعاتهم الفكرية والعقائدية. من البديهي في هذا الصدد أن الأكثرية لا تكون طائفية أو مذهبية أو عرقية وإلا تكون استعمار داخلياً. الأكثرية والأقلية يجسدان صورة مؤقتة عن الرأي العام في المجتمع بمعنى أن هذه الصورة متغيرة ومتحولة باستمرار، ففي كل مسألة تتكون من جديد أكثرية وأقلية.
وفي السياق نفسه نقول أن الديموقراطية هي شأن محلي، داخلي، فلا تكون إملاء على الفرد لا من الداخل (القرابة) ولا من الخارج. لا ننسى أن المستعمر يستخدم «الديموقراطية» المعلبة في مطابخه في البلاد التي لم تتوصل بعد إلى إيجاد الطريق إلى نهج ديموقراطي يلائم ثقافتها وسيلة لحرف مسيرة الناس في هذه البلاد عن أهدافها وإجبارها على تفضيل العمل خدمة لمصالحه.
المتعاونون مع المستعمر بحجة محاربة الديكتاتورية وإرساء الديموقراطية في بلادهم هم مرتزقة على حساب أهلهم.
مجمل الكلام أن الديموقراطية لا تستورد ولا تُدعم من الخارج ولا تتحقق بواسطة أموال النفط. من المعروف أن الجوعى والجهلاء غير قادرين على رفض «ديموقراطيّة» المستعمر ولا دعمه ولا أمواله ولا سلاله الغذائية!
من المعلوم في موضوع الديموقراطية أن الشعوب العربية لم تضعها في رأس أولوياتها، هذه إذا جاز القول أن هذه الشعوب التي تخلت عن نخبها فقتلتها أو طردتها، لا تزال قادرة على وضع خطة تتحرك على هديها من أجل تحسين شروط العيش ودفاعاً عن الوجود المهدد بأخطار كبيرة! إذ يجب ألا يغيب عن البال أن المجتمع الوطني لم يُنجز بعد في كثير من البلدان العربية التي وضع خريطتها المستعمر ومنع تعديلها!
فالحديث عن الديموقراطية في لبنان على سبيل المثال يمكننا نعته بعدم الجدية، فلقد أظهرت الحروب أن في لبنان ليس شعباً واحداً وإنما أكثر من شعب بالإضافة إلى أن ولاءات هذه الشعوب  مختلفة ومتناقضة. وأعتقد صراحة أن هذا الوضع نجده أيضاً في سورية حيث عبر عنه الرئيس السوري نفسه عندما أشار إلى ظاهرة «اللاوطنية» التي كشفتها الحرب. كيف يتحاور «ديموقراطياً» الوطني و«اللاوطني»؟ هذا الحوار هو ما يريد الثلاثي الغربي فرضه بواسطة الحرب. كيف تكون في العراق ديموقراطية علماً أن الذي وضع قواعدها هو الحاكم الأميركي، بريمر، وأعضاء مجلس حكمه الذي شكله من سياسيين عراقيين! لا وطنية في بلاد تقاتل فئاتٌ من شعبها فئات أخرى بدعم أو بمشاركة  المستعمر!
هذا لا يعني أننا نبرر السلطة العربية الديكتاتورية التي كانت على رأس دولة فَاشلة، ولكن يمكننا أن نقول أيضاً أن الناس في هذه الدولة هم فاشلون، يعيشون في مجتمع منقسم تغلب فيه الذهنية التجارية الإنتهازية الوصولية التي تبرر السعي إلى تحصيل الربح بأي وسيلة حتى لو نتج من ذلك ضرر  للآخر، الوساطة ليست عيباً في بلاد العرب علماً أنها عار وانتهاك لحقوق الغير. الناس في بلاد العرب يعيشون في الحاضر فهم يأكلون الثمر ويقطعون الشجر ولا يزرعون للمستقبل!
تحسن الملاحظة هنا إلى أن الديموقراطية لا تقتصر على إختيار مرشح لمنصب حكومي وإنما هي وسيلة لتقييم السياسات ولإختيار المشروع الوطني المناسب، فما الحاجة إلى الديموقراطيّة إذا لم يكن المشروع الوطني هو المحور المركزي للحوار الوطني؟!
وأخير لا بد من إيضاح نقطة أساسية يجب أن تكون من وجهة نظري في صلب الفكر الوطني العربي وهي أن إسرائيل كيان إستعماري ثلاثي الجنسية، أميركية فرنسية وبريطانية. ينبني عليه أنه لا يعقل أن يأتي الإصلاح والديموقراطية عن طريق هذه الدول. من المفيد أن نذكر هنا أن الولايات المتحدة الأميركية تبرر حروبها بصفتها  «التوراتية» وبأحقية «الشعب المختار الأنغلوساكسوني» وبالعلاقة التواصلية بين هذا الشعب من جهة وبين «شعب مختار» آخر يدعي تمثيلها المستعمرون الإسرائيليون، ومن الملاحظ في هذا السياق أن السعوديين بدأوا هم أيضاً يتحدثون عن أنفسهم بما هم «شعب مختار» سعودي. إن الديموقراطية المعروضة على الشعوب العربية هي من ثلاثة شعوب مختارة! اللهم سترك..