لم يكن ينقص الطبقة السياسية الملاحقة من 17 تشرين الأول  بتهم الفساد وايصال البلاد الى الافلاس والانهيار المالي والاقتصادي والمتخبطة بتداعيات كورونا الصحية والاقتصادية الا ان يحصل انفجار مرفأ بيروت ليكتمل عقد انهيار المنظومة السياسية التي تسسبت بالاستهتار وبقاء كميات الأمونيوم لست سنوات بتحويل المرفأ الى منطقة مدمرة ومحروقة بالكامل وقتل مئات اللبنانيين بفعل قنبلة غير نوويية في المرتبة الثالثة من حيث المفاعيل بعد هيروشيما وناكازاكي. من هنا جاء التفاف اللبنانيين في الشارع حول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون هربا من الطبقة التي فقدوا الثقة بها.

على ان  اللافت ان مشهد الانفجار الذي وحّد اللبنانيين لرفع الأنقاض والركام أدى الى حدوث انقسام سياسي كبير في مقاربة الحادث حيث ظهر الانقسام واضحا مع عودة متاريس وجبهات 8 و14 آذار، فالنائب السابق وليد جنبلاط اختلفت تصاريحه عما كانت عليه في زمن التسوية السياسية واصبح معاديا بشكل فاضح لحكومة حسان دياب إضافة الى مواقف عكست تبدلاً في الأجواء بين المختارة وحارة حريك، فيما دفع الانفجار رئيس حزب الكتائب سامي الجميل الى سحب نوابه من المجلس النيابي بعد ان فشل بالمعارضة من الداخل.

تداعيات الانفجار بدأت تظهر على الساحة السياسية في الاستقالات النيابية وانسحاب نواب من تكتل لبنان القوي وتعليق عضويتهم فيه كما في المواقف المتشنجة التي أسقطت الخطوط الحمراء التي كانت قائمة بين القوى السياسية .

قد يكون ما بعد الرابع من آب مختلفا عما قبله، فالمشهد يبدو منقسما  تماما كما حصل عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي قسم السياسيين بين شطرين مع وجود اختلاف وأوجه شبه بين المرحلتين، القاسم المشترك ان الانفجارين تركا تداعيات سياسية وتحولات على المدى الطويل حيث يمكن لانفجار المرفأ ان يطيح بالحكومة ويستتبع استقالات منها كما يلوح عدد من الوزراء اذا لم يحصل تحقيق جدي وبعيداً عن التأثيرات كما يمكن ان تحصل استقالات بالجملة من مجلس النواب.

انفجار 14 شباط العام 2005 ادى الى خروج الجيش السوري من لبنان  وانقسم اللبنانيون بين 8 و14 آذار لسنوات الى ان حصلت التسوية السياسية ،وفي حين انه اغتيال لشخصية سياسية مؤثرة الا ان انفجار مرفأ بيروت بما خلفه بين جريح وشهيد ربطا بالحصار الدولي على لبنان والانهيار المالي والاقتصادي فله أيضا أهداف وتداعيات على المدى الطويل مهما تعددت الفرضيات وتنوعت بين التخريب والاهمال والاستهتار حيث سيكون هناك المقصرون ومن سيدفع ثمن دماء الضحايا وتدمير مدينة.

من أوجه الشبه ان جريمة اغتيال الحريري خضعت للاستثمار السياسي وانفجار المرفأ يسعى لفرض أجندات معينة تتعلق بنزع سلاح حزب الله والسعي لتدويل الأزمة الراهنة.

الانفسام العامودي بين 8 و14 آذار  يظهر بوضوح في اصطفاف قوى الرابع عشر من آذار ومطالبتها بلجنة تحقيق دولية واستغلال 14 آذار التي كان عدد من رموزها يشاركون في السلطة الماضية عندما دخلت باخرة نيترات الأمونيوم الى لبنان عام 2013 فيما يبدو فريق 8 آذار رافضا للجنة تحقيق دولية على رأسهم حزب الله حرصا على سيادة لبنان وخوفا من اخفاء الحقيقة ولأن فريق 8 آذار يثق بان الجيش قادر على اجراء تحقيق شفاف.

مؤخراً  استعادت 14 آذار بعضاً من الحياة وعاد اليها الأوكسيجين بمفعول اقتراب صدور الحكم في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري استنادا الى مواقف هذه القوى على لسان قيادات كانت قد هجرت هذا الفريق وبقيت تؤيده، فالحكم  سيصدر في لاهاي لكن أصداءه في بيروت، وهي من دون شك تعطي بعض الحياة  في الجسم الآذاري الميت منذ سنوات والذي دخل في غيبوبة طويلة من عمر التسوية.