المشاورات الجدية لتشكيل حكومة، بدأت امس، وكل المؤشرات تشير الى حكومة مصغرة بوزراء اختصاصيين بنكهة سياسية كيلا تتكرر تجربة حكومة حسان دياب، انما في الوقت ذاته لا خلاصات نهائية وواضحة بعد في ملف الحكومة.

مسار تشكيل الحكومة انطلق، والاشراف الفرنسي على تشكيل الحكومة سيدفع بالجميع الى تقديم تنازلات، وهذا سيؤدي الى ولادة الحكومة خلال 15 يوماً كما حدد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته لبيروت. اضف الى ذلك، الدعم الدولي والاقليمي الى جانب الاتصالات الفرنسية - الايرانية يزيل الشكوك حول عرقلة الحكومة، ويؤكد ان لا عقبات ستؤخر تشكيل الحكومة المرتقبة. وهذا ما دعت اليه كتلة الوفاء للمقاومة لتسهيل امور الرئيس المكلف مصطفى اديب ومبادرات الاصدقاء.

اما التطور اللافت ،على الساحة السياسية اللبنانية فهو دخول مصر لحلحة الاوضاع في لبنان وتكثيف الجهود المصرية لمساندة المبادرة الفرنسية من اجل انجاح التسوية في لبنان. ذلك ان مصر لها علاقات وطيدة مع السعودية وقد اقنعت الرياض بان الاستقرار السياسي والاقتصادي والامني في لبنان يصب في مصلحة المملكة العربية السعودية نظرا لتمادي النفوذ التركي في لبنان. وفي هذا السياق، الخصومة السياسية لتركيا تجمع مصر وفرنسا والسعودية، وبالتالي التنسيق بين هذه الدول يترجم على ارض الواقع بوضع حد للتغلغل التركي في السياسة اللبنانية.

بموازاة ذلك، اجرى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف اتصالات مع مسؤولين لبنانيين واجتمع مع النائب السابق امل ابو زيد ممثلا رئيس الجمهورية وجورج شعبان مستشار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري كما التقى ايضاً حليم ابو فخر الدين مستشار الوزير وليد جنبلاط. وحض بوغدانوف هؤلاء الشخصيات على الدخول في التسوية في لبنان. يشار الى ان الجهد الروسي جاء بعد اتصال الرئيس ماكرون بنظيره الروسي فلاديمير بوتين.

 الداخل اللبناني: اربع عقبات امام تشكيل الحكومة

تتوقع اوساط واسعة الاطلاع في تحالف 8 آذار ان يشهد الاربعاء المقبل، كأقصى تقدير، اول مسوّدة لتشكيلة رسمية قد يصار الى اعتمادها بعد التوافق حولها، مع تأكيد ان القوى الفاعلة في الاكثرية النيابية ولا سيما حزب الله ستسمي ممثليها. وفي هذا السياق، لا يستبعد ان يمثل شخصيات من المجتمع المدني الذين يندرجون ضمن  فلك المبادرة الفرنسية في الحكومة المقبلة.

من جهة اخرى، تقول اوساط سياسية ان الرئيس نبيه بري جدد مطالبته بوزارة المالية وهذه هي العقدة الاولى، حيث شدد بري ان هذا الامر ميثاقي لجهة حصول الشيعة على توقيع القرارات والمراسيم معلنا انه متمسك بوزارة المالية.  وتأكيدا على ذلك، ان وزارات المال اعطيت للشيعة  استنادا الى روح التوازن الطائفي. ومن هنا، تكرست في الحكومات الاخيرة، والمسألة هي مبدئية  اكثر من انها مسألة تمسك بوزارة المال. ويذكر ان النائب جبران باسيل بعد انتهاء المشاورات مع الرئيس المكلف عندما طالب بالمداورة، رد النائب ايوب حميد عليه لاحقاً عبر القول ان الميثاقية هامة في الوزارات السيادية والمقصود الحفاظ على التوقيع الثالث في البلد وان يبقى في يد الطائفة الشيعية.  اما عن المداورة، فقد اعتبرت اوساط سياسية  ان المداورة لا ينص عليها الدستور بل هو طرح سياسي فقط.

 في المقابل، اعتبرت مصادر مطلعة ان التمسك بوزارة المالية بحجة انه امر ميثاقي، هو هرطقة دستورية، وكانت عرفاً وهي ليست موجودة في الدستور.

بموازاة ذلك، قالت مصادر وزارية لـ«الديار»  ان الرئيس عون يميل  الى طرح رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بمبدأ المداورة، فلا تكون بعض الوزارات حكراً على فريق واحد او حزب معين. واشارت الى ان مبدأ المداورة يضفي جواً من الانصاف والعدالة ويعزز الديموقراطية بدلا من تدجين المؤسسات والوزارات للافرقاء ذاتها.  وهنا، هل يتحول تمسك بري بوزارة المالية في حين يحبذ عون المداورة الى عقبة اساسية امام تشكيل الحكومة؟

العقدة الثانية: خلال اللقاء الذي جرى بين الرئيس عون والرئيس المكلف اديب ، ظهر تباين واضح بين الرئيسين، فالرئيس عون يريد حكومة تكنوسياسية مؤلفة من 24 وزيرا بينما يريد الرئيس المكلف تشكيل حكومة اختصاصيين من 14 وزيرا. من جهة الرئيس عون، يفضل حكومة من 24 وزيراً بهدف اعطاء لكل وزير حقيبة وزارية، ما يؤدي الى انتظام العمل بشكل افضل في حين سيكون ضغط العمل هائلاً على حكومة من 14 وزيراً، خاصة في ظل الازمة الاقتصادية والمالية والامنية والمعيشية التي يشهدها لبنان.

واشارت مصادر مقربة من قصر بعبدا الى ان الرئيس عون والرئيس المكلف مصطفى اديب يعملان على تسريع ولادة الحكومة التي حددا اولياتها وهي: تطبيق الاصلاحات وتنفيذ الاجراءات لمكافحة الفساد الى جانب التدقيق المالي في مصرف لبنان. وتابعت هذه المصادر  ان التشاور بين الرئيسين جاري ومتواصل من اجل تذليل العقبات والتوصل الى صيغة جامعة للحكومة.

العقدة الثالثة: فهي اصرار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عدم رغبته بالمشاركة في الحكومة المقبلة وقد ابلغ الجميع بذلك رغم انه اعلن تأييده للمبادرة الفرنسية ووجه رسائل ايجابية لحزب الله وفي الوقت ذاته غمز من قناة الجهود الاميركية بانه اذا ما التقانا مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر فهذا «ليس بأخر الدنيا».

العقدة الرابعة: هي كيفية التوزيع الطائفي في الحكومة ومن هي الجهة التي ستسمي الوزراء الاختصاصيين. فهل يا ترى ستكون الكتل النيابية المسؤولة عن اختيار الوزراء؟ اذا حصل ذلك، فالحكومة مهددة طيلة ولايتها لان الكتل النيابية قادرة على سحب وزرائها ساعة تشاء.

ولكن في الوقت ذاته ، تقول المعلومات ان هذه العقد طبيعية وسيتم تجاوزها بالحوار والتلاقي على مصلحة الوطن بما ان الامور تدهورت بشكل مخيف بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 اب الماضي.

 ملف المرفأ: شهر على زلزال  انفجار مرفأ بيروت

من جهة ثانية، تؤكد اوساط قضائية متابعة لملف التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت وبعد مرور شهر على الفاجعة  تركز على المسؤوليات المتعددة لكل من اهمل متابعة ملف نترات الامونيوم وصولاً الى سوء التخزين والتأخر في اتخاذ قرار اطفاء الحريق ومتابعة ما يجري بجدية.

في المقابل ترى اوساط سياسية لـ«الديار» ان الضغط الاعلامي والشعبي والمجتمع المدني يركز على عدم حصر المسؤولية باهمال وظيفي لضباط وامنيين وموظفين مدنيين في المرفأ بل يجب ان يطال كل وزراء الاشغال والنقل ورؤساء الحكومات وكل المسؤولين الذين كانوا يعلمون بالامونيوم ولم يحركوا ساكناً.

وتلفت الى ان الاستماع الى الرئيس حسان دياب في السراي كشاهد يفتح الباب امام الاستماع لشهادة كل المسؤولين السياسيين عن المرفأ.

 «القوات اللبنانية»: نأمل ان يتلقف الرئيس المكلف المبادرة الفرنسية ايجاباً

حول مقاربة القوات اللبنانية ببرودة للمبادرة الفرنسي، الباردة، قالت مصادر قواتية ان الدكتور سمير جعجع تعامل  بصراحة تامة مع الرئيس الفرنسي موضحا له  ان المسالة لا تتعلق بالمبادرة الفرنسية بل بالمنظومة الحاكمة. وقال جعجع للرئيس ماكرون ان لديه شكوك كبيرة بهذه الطبقة الحاكمة على الرغم من التدخل الفرنسي لان هذه المنظومة الممسكة بمفاصل السلطة في لبنان لن تسمح باي تغيير او اصلاح فعلي. و هذا الموقف القواتي  ناتج من تجربة مُرّة وطويلة مع هذا الفريق حيث برهنت كل الظروف سواء في الحكومات المتعاقبة او في الحكومة الاخيرة ان هذا الفريق يستمد قوته من خلال فساده ورفضه للاصلاح واعتماده على الزبائنية ورفض التشكيلات القضائية، ورفض قانون آلية التعيينات ومسائل اخرى. وتابعت المصادر ان حكومة حسان دياب هي خير دليل، على ان موقف القوات من السلطة الحاكمة كان صائبا حيث ان الاخيرة هي التي عطلت حكومة دياب من التفاوض فعليا مع صندوق النقد الدولي والتوصل الى نتيجة جدية الى جانب عدم اتخاذ خطوات عملية تضع حداً للانهيار المالي. بناء على ذلك، شددت المصادر ان حزب القوات  لا يمكن ان يغير موقفه  بين ليلة وضحاها  مع كامل التقدير للمبادرة الفرنسية وللجهود التي يبذلها الرئيس الفرنسي لتحسين الوضع اللبناني. وتابعت ان القوات متمسكة بموقفها حتى اثبات العكس وتأمل طبعا ان تتواصل الضغوط على هذا الفريق من اجل ان يكف عن التدخل المباشر من اجل تمكين الحكومة بالقيام بعملها. ومن هذا المنطلق تطرح  القوات ولا تزال تطالب باجراء انتخابات نيابية مبكرة من اجل تغيير هذه الاكثرية لان بقائها يعني انعدام الامل بأي تغيير حقيقي وجذري في اصلاح البلد.

وحول تعاطي القوات مع  الحكومة المرتقبة، اكدت المصادر القواتية ان حزبها سيتعامل على غرار ما فعله مع حكومة حسان دياب حيث اعطت القوات  الحكومة الاخيرة الفرصة لاثبات نفسها ولكن حكومة دياب فشلت فشلا ذريعا. وعليه، اشارت المصادر القواتية ان الحزب اليوم سيكون في موقع المراقب للحكومة المرتقبة اولا من ناحية التاليف والمداورة في الوزارات وان لا يكون هنالك اي محاصصة في تسمية الوزراء  وان الرئيس المكلف هو من اختار الوزراء ولاحقا ما هو بيانها الوزاري وبرنامجها الانقاذي.

 زيارة شينكر استطلاعية واستعراضية!

تؤكد اوساط ديبلوماسية في بيروت لـ«الديار» ان زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد شينكر كانت استعراضية واستطلاعية ولم يرد منها سوى تأكيد الحضور الاميركي في لبنان والتنسيق مع الفرنسيين في المبادرة الحكومية. وتعمد شينكر عدم لقاء اي من السياسيين اللبنانيين لمنع التشويش على المبادرة الفرنسية ولعدم امتلاك قرار اميركي حاسم في ملف الحدود البحرية او التصعيد مع «حزب الله» والعقوبات وكل ما يتردد ليس الا فقاعات اعلامية!

وفهم وفق الاوساط من شينكر، ان كل الامور مرهونة بتأليف حكومة اديب وكيفية تعاطيها مع الملفات من الحدود الى الملف الاقتصادي والمالي ولم يكن حاسماً او مركزاً على اي ملف وان لقاءه قوى من حراك في 17 تشرين الاول والنواب المستقلين ليس الا من باب تأكيد «شد العصب» الدعم الاميركي النظري للثورة. 

ويتردد ان شينكر التقى الرئيس المكلف مصطفى اديب خارج الاضواء ولكن لم يتسنى لـ«الديار» تأكيد او نفي الخبر من اوساط الرئيس المكلف او حتى من الاميركيين في بيروت.  

وفي زيارة شينكر لبيروت ولقائه بعض الثوار ، قالت  مصادر سياسية ان  ذلك كان متوقعا اما ذهاب النواب المستقيلين مؤخرا من البرلمان  للقاء شينكر اثار  الدهشة  عند الرأي العام من ناحية ان اكثرية النواب المستقيلين ادعوا ان قرارهم حر في حين ذهبوا لشينكر ليعلموا منه ما عليهم فعله.