في الوقت الذي تتركّز فيه الإتصالات على الملفّ الحُكومي، حيث أنّ الساعات القليلة المُقبلة حاسمة لتحديد الوجهة التي ستأخذها الجُهود المَبذولة حاليًا لتذليل العقبات أمام تشكيل حُكومة جديدة، يقف لبنان على بُعد ساعات قليلة أيضًا من محطّة ثانية لا تقلّ أهمّية على مُستقبل البلاد، وتتمثّل بملفّ ترسيم الحدود الذي تنطلق المُفاوضات بشأنه من مركز قوّات «اليونيفيل» في الناقورة غدًا الأربعاء. ويُنتظر أن تُعقد الجولة الأولى برعاية الأمم المُتحدة، وبحُضور أميركي مُباشر عبر مُساعد وزير الخارجيّة الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر الذي وصل أمس إلى لبنان. فما هي المُعطيات المُتوفّرة عشيّة إنطلاق هذه المفاوضات بشكل رسمي؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة إنّ هذه المُفاوضات مُهمّة جدًا لحفظ حُقوق لبنان في أرضه وفي مياهه الإقليميّة، ومُهمّة جدًا لتحضير الأرضيّة المُناسبة لعمليّات التنقيب في البلوكات الجنوبيّة والتي هي واعدة نظريًا، لكنّ الكثير من الشركات تخشى الإنخراط في إستثمارها، بفعل غياب عامل الإستقرار الأمني. وأضافت أنّه في حال التوصّل إلى إتفاق في نهاية المفاوضات، فإنّ الباب سيُفتح أمام عمليّات التنقيب بحثًا عن الغاز والنفط، مُشدّدًا في الوقت عينه على ضرورة توقّع أن تأخذ جولات التفاوض فترة زمنيّة طويلة، تتراوح ما بين ستة أشهر على الأقلّ وربما سنة كاملة، بسبب كثرة ودقّة الخرائط، وبفعل تعدد النقاط الدقيقة الواجب الخوض في تفاصيلها، هذا في حال التسليم جدًلا أنّ العدّو الإسرائيلي لن يضع العراقيل والمطبّات.

ورأت الأوساط السياسيّة المُطلعة نفسها أنّ ضُغوطًا أميركيّة بخلفيّات سياسيّة وإقتصاديّة تُمارس على لبنان، وهي تلتقي مع مُناورات إعلاميّة وحملات دبلوماسيّة إسرائيليّة تُحاول أخذ مُفاوضات ترسيم الحُدود إلى مكان آخر، وتحديدًا إلى نوع من إتفاق هدنة جديد أو حتى إلى نوع من التطبيع المُقنّع، في الوقت الذي تسير فيه أكثر من دولة عربيّة على هذا المنهاج. وأكّدت الاوساط, أنّ لبنان نجح في مُقاومة هذه الضُغوط والمُحاولات، مُتوقّعة أن يستمرّ بذلك في المرحلة المُقبلة. وأوضحت أنّ لبنان رفض مثلاً رفع مُستوى تمثيل الوفد التفاوضي الذي شكّله، ورفض تطعيمه بشخصيّات سياسيّة، وإكتفى بأن يتكوّن الوفد من ضُباط عسكريّين ومن بعض الإختصاصيّين والتقنيّين بشؤون التفاوض والترسيم، بعد إستبعاد أي تمثيل سياسي إن لرئاسة الجُمهوريّة أو لوزارة الخارجيّة أو لسواهما.

ولفتت الأوساط السياسيّة المُطلعة إلى أنّه من ضُمن الضُغوط المُرتقبة على مُستوى الشكل، مُحاولة أخذ صُورة تذكاريّة تجمع الوفدين اللبناني و«الإسرائيلي» مُعًا، لتوظيفها أميركيًا في معركة تجديد ولاية الرئيس دونالد ترامب لدى اللوبي «الإسرائيلي»، ولتوظيفها «إسرائيليًا» لدى الرأي العام داخل الأراضي المُحتلّة بأنّ لبنان الرسمي مع السلام وأنّ من يحول دون ذلك هي المُقاومة. وتابعت الأوساط نفسها أنّه من ضمن الضُغوط المُرتقبة على لبنان، على مُستوى المَضمون، مُحاولة ربط الترسيم البرّي والبحري بتعهّدات أمنيّة تؤمّن الإستقرار في كامل المنطقة الحُدوديّة، طالما أنّ قادة العدوّ يعلمون جيّدًا أنّ توقيع أيّ إتفاق تطبيع مُستحيل. وقالت الأوساط إنّ «الإسرائيليّين» يأتون إلى الناقورة بقناع مُخادع، يُروّج إعلاميًا للهدنة وحتى للتطبيع، لكنّهم يسعون لعدم التنازل عن مصالحهم ومطالبهم الإستراتيجيّة، ويتشبّثون بأطماعهم بالأرض وبالثروات الطبيعيّة فيها.

وكشفت الأوساط السياسيّة أنّ الوفد اللبناني يملك خطة مُمنهجة وواضحة لإستعادة الحُقوق من دون الوُقوع في فخّ التطبيع، مُشيرة إلى أنّ الوفد سيبقى على تواصل مَفتوح مع قيادة الجيش بشأن مُجريات التفاوض، والقيادة المَذكورة ستتواصل بدورها مع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ومع كبار المسؤولين الآخرين المَعنيّين. وأضافت أنّ الوفد اللبناني سيستفيد من توقيعه في العام 1982 «إتفاقيّة البحار»، ومن إنضمامه إليها في مُنتصف التسعينات عندما صارت نافذة عمليًا، خاصة لجهة التمسّك بالمبادئ وبالقواعد التي ترعى ترسيم الحدود البحريّة في أماكن النزاع. وإذ لفتت الاوساط, إلى أنّ لبنان سيُطالب بالإنطلاق من الحدود البريّة لتحديد ورسم خط حدود المياه الإقليميّة اللبنانيّة، أكّدت الأوساط نفسها أنّ الوفد اللبناني سيرفض أخذ المُفاوضات لأي نوع من أنواع ضبط الحدود أمنيًا، وسيُركّز على الجانب التقني بشكل كامل. وأشارت الأوساط إلى أنّ على لبنان أيضًا مُعالجة مُشكلة قضم جزء من حُقوقه البحريّة من خلال إتفاقيّة ترسيم بين إسرائيل وقبرص، حدّدت منطقة بحريّة إقتصاديّة بينهما.

وختمت الأوساط السياسيّة كلامها بالقول إنّ المُفاوضات المُرتقبة ستفضي إلى نتائج جيّدة في حال كان الهدف الأميركي ـ «الإسرائيلي»، إستغلال الموارد الطبيعيّة المُتوفّرة في البحر، لما فيه مصلحة الجميع، وهي ستفشل فشلاً ذريعًا في حال جرى تحوير أهدافها وتوظيفها سياسيًا للضغط على لبنان في ملفّ التطبيع مع العدوّ، مهما كان العنوان المُستخدم فضفاضًا!

رئاسة الجمهوريّة تُعلن تشكيل الوفد اللبناني

التقني الى التفاوض لترسيم الحدود الجنوبيّة

صدر عن مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية البيان الاتي: انطلاقا من اتفاق الاطار العملي للتفاوض على ترسيم الحدود الجنوبية وبناء لتوجيهات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، تألف وفد التفاوض التقني على ترسيم الحدود الجنوبية على النحو الاتي:

ـ العميد الركن الطيار بسام ياسين رئيساً

ـ العقيد الركن البحري مازن بصبوص

ـ عضو هيئة ادارة قطاع البترول في لبنان وسام شباط

ـ الخبير نجيب مسيحي، اعضاء.

... و«الخارجيّة الأميركيّة» : شينكر سيُشارك

أعلنت الخارجية الأميركية أن مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكر توجه إلى لبنان للمشاركة في افتتاح المفاوضات بشأن الحدود البحرية وأضافت أنه سيشارك في الجلسة الافتتاحية لمفاوضات الترسيم.