لا تكاد تمرّ بضعة أيّام دون أن يتبادل المسؤولون السياسيّون والحزبيّون ضمن البيئة المسيحيّة، المواقف الإعلاميّة الحادة والتي تحمل في كثير من الأحيان تجريحًا شخصيًا، ودون أن يتقاذفوا الإتهامات عمّا آلت إليه الأمور في لبنان عُمومًا وعلى الساحة المسيحيّة خُصوصًا، مُحمّلين بعضهم بعضًا المسؤوليّة، في ظلّ فشل مُستمر لمُحاولات التهدئة ولإعادة كسر ما إنقطع. فإلى أين سيَقُود هذا المنحى؟

بحسب مصدر وزاري مسيحي سابق، إنّ ما يحصل مرفوض ومُستهجن، وكأنّ أحدًا لم يتعلّم من اخطاء الماضي، واصفًا الوضع بالمأسوي في ظلّ رفض ضُمني مُتبادل على الإلتقاء لحلّ الخلافات. وأضاف أنّ أحدًا لا يريد تموضعات طائفيّة مُتعصّبة، لكن ما دامت التركيبة اللبنانية طائفيّة ومذهبيّة، من غير المسموح التفريط بالحُقوق المسيحيّة. وقال المصدر نفسه الذي كان قد ادى في مرحلة ماضية دورًا مركزيًا ضُمن الرابطة المارونيّة، إنّ إستمرار الأمور على ما هي عليه حاليًا، سيؤدّي إلى نتائج كارثيّة، ليس فقط على مُستوى الحُضور المسيحي في القرار اللبناني، بل أيضًا على مُستوى الوجود المسيحي في لبنان ككل.

وأوضح المصدر الوزاري المسيحي السابق أنّ حزب «القوات اللبنانيّة» يعتبر أنّه أعطى «التيّار الوطني الحُرّ» فرصة كاملة لطيّ صفحة الماضي، لكنّه أهدرها بالإنقلاب على التعهّدات وبالتملّص من الإلتزامات، وُصولاً إلى إعادة فتح صفحات الماضي الأليم وإعادة بثّ الأحقاد وتوريثها إلى الأجيال المُقبلة، لا لشيء سوى لاحتكار التمثيل! وأضاف أنّ «القوات» ترفض توفير الدعم السياسي «للتيّار» وتعويمه بعد اليوم، لأنّ برأيها «من جرّب المجرّب، بكون عقلو مخرّب»، تاركة للعبة السياسيّة أن تأخذ مداها بشكل ديموقراطي وطبيعي. وتابع المصدر أنّ «التيّار الوطني الحُر» يتهم من جهته «القوات» بإضعاف الموقف المسيحي العام، بسبب عملها الدائم على إفشال العهد الرئاسي للعماد ميشال عون، وعلى عرقلة مشاريع وخطط «التيّار» التغييريّة والإصلاحيّة، وذلك بدلاً من دعم «التيّار» لإستعادة النُفوذ المسيحي في الدولة. وأضاف المصدر نفسه أنّ حزب «الكتائب اللبنانيّة» يُغرّد خارج السرب منذ تولّي النائب المُستقيل سامي الجميّل رئاسته، وهو يعتمد حاليًا سياسة حازمة على مُستوى المُعارضة والعمل على تغيير قوى السُلطة، ويرفض المُهادنة مع أي فريق أكان مسيحيًا أم غير مسيحي، في حال كان لا يُقارب الملفّات اللبنانيّة بشكل شبيه لمُقاربة حزب «الكتائب» لها. ولفت المصدر الوزاري المسيحي السابق إلى أنّ «تيّار المردة» هو على خلاف مَفتوح مع «التيّار» بسبب الملفّ الرئاسي وتعامل رئيس «التيّار» النائب جبران باسيل معه، ولا يستطيع التقارب مع «القوات» أو «الكتائب» لأسباب سياسيّة وتاريخية. وختم المصدر شرحه للواقع المسيحي الحالي، بالقول إنّ القوى المسيحيّة المُستقلّة الأخرى هي على تباعد مع الأحزاب ككلّ، وعلى تنافس شخصي معها، علمًا أن لا مشروع مُوحّد بين هذه القوى أيضًا، الأمر الذي زاد من حدّة التشرذم والضياع في ظلّ غياب الرؤية المُوحّدة.

وتوقّع المصدر الوزاري المسيحي السابق إستمرار حال الإنقسام الحاد داخل الطائفة المسيحيّة في المرحلة المُقبلة، حيث انّ الخلافات ستتفاقم عشية أيّ إستحقاق وزاري مُقبل، وأي إستحقاق إنتخابي نيابي مُقبل، وأي إستحقاق إنتخابي رئاسي مُقبل أيضًا، ما يعني أنّ السنتين المُقبلتين ستكونان صعبتين جدًا. ورأى المصدر أنّ الأخطر من الخلافات والإنقسامات المسيحيّة، هو عمل الشركاء الآخرين في البلاد على إستغلال حال الشرذمة في البيئة المسيحيّة، لتجاوز حُقوق وصلاحيّات ورأي هذه الطائفة. وأوضح أنّ ما يُحضّر خلف الكواليس بالنسبة إلى ملفّي الإنتخابات النيابية والرئاسيّة، يؤكّد هذه النظريّة، حيث يُوجد سعي لتمرير قانون إنتخابي لا يُراعي خُصوصيّة الأقليّة المسيحيّة، وتوجد تحضيرات خلف الكواليس أيضًا لإنتخاب رئيس مسيحي بغطاء نيابي إسلامي، وليس بفعل ايّ توافق مسيحي على أي ترشيح. وأكّد المصدر نفسه أيضًا أنّ ما جرى على خط تشكيل الحكومة الجديدة خلال الأسابيع الأخيرة، يصبّ أيضًا في خانة تجاهل الرأي المسيحي والصلاحيّات المسيحيّة واستغلال الإنقسام الحاصل لرفض مُعطيات ووقائع لا تراعي مطالبهم.

ودعا المصدر الوزاري المسيحي السابق مُختلف القوى المسيحيّة، أكانت وزارية أم نيابية، وأكانت حزبيّة أم مستقلّة، إلى وضع الخلافات جانبًا لما فيه مصلحة الطائفة، لأنّ الإنقاسامات الحادة سمحت باستفراد مُختلف القوى المسيحيّة وبإضعاف تأثيرها. وطلب في الختام من المسؤولين المسيحيّين كافة، ضرورة التحلّي بأعلى درجات المــسؤوليّة ووقف التصعيد المُتبادل، لتكــون الأجواء مــناسبة لإعــادة تعــويم مساعي البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، الرامية إلى توحيد الرؤية لما فيه مصلحة المسيحيّين أوّلاً، ومصلحة لبنان ثانيًا. وأبــدى تخــوّفه من أن تُسفر الخلافات الحادة في حال استمرارها، عن إخراج القوى المسيحيّة عمليًا من المُعادلة، كما حصل في نهاية الحرب في العام 1990!