عادت الأمور الى سابق عهدها قبل يومين من التأزم ولم تنجح الوساطات بعد في تليين الموقف، وقد أدى بيان «تكتل لبنان القوي» الرافض لعودة سعد الحريري الى السراي في زيادة الشرخ بين الطرفين، والواضح كما تقول مصادر سياسية ان رسالة «الواتساب» من بيت الوسط في الأزمة الصحية التي مر بها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل فعلت فعلها في ترطيب الأجواء السياسية، الرسالة انتهى مفعولها بسرعة فور انتهاء الحجر الصحي الذي التزم به باسيل لتعود الأمور الى مسارها السابق من التأزم بمجرد اعلان الحريري ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة .

بالمؤكد، فان خطوة الترشيح ليست العامل الوحيد في استفزاز باسيل، بل عوامل مجتمعة انتهت الى اندلاع المواجهة الأخيرة بين بيت الوسط والشالوحي يتقدمها الهجوم الذي شنه رئيس تيار المستقبل على القوات والتيار الوطني الحر في المقابلة التلفزيونية عشية اعلان ترشحه وتحميل باسيل وسمير جعجع التراكمات السلبية في العلاقة معهما، مرورا ًبعوامل استجدت ومفاوضات بقي خارجها التيار الوطني الحر، أدت الى انتفاضة باسيل وهجومه على الحريري رافضاً تسليفه ورقة التكليف، أضف الى موقف التيار المتعلق بفقدان الميثاقية المسيحية للتكليف.

غمز رئيس الجمهورية من قناة الكتل النيابية في ارجاء الاستشارات النيابية لمدة أسبوع من اجل مزيد من التوضيحات والضمانات، وركزت مصادر بعبدا على اعطاء فرصة جدية للتكليف من اجل التأليف فيما بعد، الأسباب لم تقنع الحريري وتياره السياسي فتحدث نوابه عن «قطبة مخفية» في التأجيل، طارحين علامات استفهام حول الميثاقية السنية التي لم تتوفر عند تكليف حسان دياب رئاسة الحكومة، ومع ذلك حصل ما حصل وتشكلت الحكومة من لون سياسي واحد.

في الخلفية السياسية لم يخف مقربون من ميرنا الشالوحي علمهم بتفاهمات حصلت مع بيت الوسط للسير بتكليف لا يستوف الميثاقية المسيحية من خلال قوى فاقدة للتمثيل المسيحي القوي واقناع الحريري ان بامكانه ان يكون رئيساً للحكومة بعشرين صوتاً مسيحياً من حلفائه المسيحيين.

ثمة من اعتبر من البيئة العونية ايضاً ان الحريري لن يصل الى السراي ولا يمكن ان يكون رئيساً لحكومة اختصاصيين انطلاقاً من معادلة سابقة «او معا في الحكومة او خارجها» التي انتشرت عقب استقالة الحريري بعد 17 تشرين وتردي العلاقة بين المستقبل والتيار الوطني الحر، ثمة من تحدث ايضاً عن شروط باسيلية شخصية كأن يتواصل معه الحريري كما فعل مع النائب السابق وليد جنبلاط.

وفق مصادر «المستقبل»، فان الاتصال الذي حصل بين بيت الوسط وكليمنصو مختلف عن سياق الأحداث، لأن العلاقة بالأساس بين الحريري وجنبلاط عابرة للاصطفافات والمتغيرات، وبالتالي فانتقادات وليد جنبلاط لا تشبه مواقف أي من الأطراف السياسية الأخرى، واشارت المصادر نفسها الى ان الدور الباسيلي او البصمات واضحة في بيان بعبدا المقتضب حول التأجيل، والسؤال من هي الكتل النيابية التي طالبت بالتأجيل وما هي المبررات وهل الوضعين الاقتصادي والمالي يحتملان المماطلة والتأجيل؟

ما يحصل ليس بعيدا عن الخلاف الشخصي بين بيت الوسط والشالوحي الذي يحتم جلوس الطرفين لانجاز تفاهمات تضمن عبور الحريري الى السراي، ويمكن كما تقول مصادر سياسية توقع خطوات مفاجئة من قبل الحريري بأن يجالس باسيل او يتواصل معه لتمرير التكليف على غرار ما حصل بعد تصعيد جنبلاط الذي جرى تجاوزه بطلب ونصيحة من الفرنسيين.

الأزمة الحكومية تتوزع المسؤولية في المشهد الحكومي المتأزم ، الحريري «كبر دعسته» راسماً خطاً أحمر في الموضوع الحكومي لخصومه ، وارتكب أخطاء في التعامل مع المكونات السياسية عندما احتفظ بورقة التكليف لنفسه، مما استفز باسيل الذي شعر بفقدان التأثير في زمام التكليف والتأليف، وما حكي عن تفاهمات من تحت الطاولة من دون علم بعبدا والتيار الوطني الحر، مما دفعه لتفجير الوضع وزرع الألغام في طريق الحريري الى السرايا .

التصعيد من قبل باسيل اليوم قد يكون مفتعلا ًومدروسا ً، لكنه على الأرجح ليس طارئاً، ويتصل بحسابات التأليف من اجل تحسين شروطه في الحكومة العتيدة وفق المصادر السياسية، لان الوضع دخل المرحلة الحرجة، فاما يبقى الحريري رئيسا ًمكلفاً بانتظار تحديد موعد للاستشارات او يعود عن ترشيح نفسه رامياً تهمة التعطيل باتجاه بعبدا وميرنا الشالوحي، لكن المؤكد كما تقول المصادر ان اعادة تعويم معادلة «جبران وسعد» معا لم تعد صالحة والبحث جار عن حلول أخرى تقتضي ربما من الطرفين المسارعة الى تقديم تنازلات لانقاذ الوضع.