أخذنا علماً بأن العصا السحرية في لبنان عصا أميركية. كل عصا أخرى للاضافات الصغيرة. ألا تدار الدولة عندنا بمنطق قبضايات الأزقة ؟ قمباز، وطربوش، وشحاطة، وخيزرانة. يا أبا عبد البيروتي، شو أخبار أبو صطيف ؟

حتى صحيفة «الفيغارو» قالت أن المبادرة الفرنسية (المهددة الآن بصراع الكراهيات) بدأت بأولى خطواتها لأنها «تأمركت». بشكل أو بآخر، كلنا «تأمركنا»، وكلنا ندرك من يمسك بحجارة جهنم...

العصا السحرية التي طردت الشيطان من التفاصيل، لعلها طردته أيضاً من صدور أولياء أمرنا (الوسواس الخناس). الجلسات الساخنة بين نجوم الطبقة السياسية تحولت، فجأة، الى جلسات غرامية. حتى سمير جعجع قرر أن يمنح الثقة. أميركا أم العجائب!

أخــذنا علماً أيضاً بأن الادارة الأميركية، أي ادارة، ليست معنية بالفساد عندنا الا اذا تجاوزنا سياسياً، ومالياً، الخطوط الحمراء، وبات الوضع خارج السيطرة. هذا بالرغم من أن واشنــطن ما زالت تأخــذ بنظرية هنري كيسنجر حول الفوضى الخلاقة. على طريقة الديانات المنــزلة، المخــلص لا يــأتي من السماء الا بعد أن ترصف الطرقات بالجــماجم. أميركا كأمبراطورية منزلة، لا تستــسيغ الســير، ولو حافية، الا على الجماجم.

لدى الأميركيين كل التفاصيل حول الثروات الملطخة، وحول الوجوه الملطخة. من يحاول اللعب خارج الحلبة، يمكن تحطيمه بالعصا السحرية. لو كانت العقوبات تستهدف أهل الفساد، لرأينا الرؤوس تتدحرج الى المقبرة الجماعية في جزيرة «هارت» النيويوركية.

هكذا يبقى لبنان عالقاً بين الفوضى واللافوضى، بين الموت واللاموت. الفساد يدخل في اللعبة الاستراتيجية للولايات المتحدة. تعلم كيف تكدست الثروات في الصناديق الحديدية، سواء كانت هذه الصناديق في أقبية القصور أم كانت في أقبية البنوك.

في السنة الأخيرة، أحد تجليات الأعجوبة اللبنانية. انكشارية مالية تتولى نقل الودائع الى أماكن لا تصل اليها عين سوى العين الأميركية. لماذا العين الأميركية فقط ؟ الله أعلم.

قلنا حكومة صندوق النقد الدولي. هي كذلك. لا يعني شيئاً أن تكون مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا أوروبية. هكذا نظام الصندوق. رئاسة البنك الدولي تكون لأميركي. الصندوق يدار من البيت الأبيض، لا من الاليزيه ولا من 10 داونينغ ستريت، ولا من بوابة غوتنبرغ .

أحد الضالعين في تشكيل الحكومات قال لنا أن الطريق الى الحكومة خال من الأسلاك الشائكة. للمرة الأولى التركيز الفائق الدقة على اختيار الأسماء. قيل لنا أن الأقطاب يحاولون أن يطرحوا أفضل ما عندهم بعدما أعتاد البعض على طرح أسوأ ما عندهم .هذا ليس ناتجاً عن تحول دراماتيكي في ذهنية هؤلاء، وانما لأن الأسماء ستكون أمام اختبار مجهري.

على أمل أن يكون ذلك صحيحاً كي لا نكون، مرة أخرى واخرى، أمام تلك الألواح الخشبية الضاحكة، والمضحكة، في آن. حتى الرؤوس الكبرى ستكون أمام اختبار البقاء أو اللابقاء. لا بد من الأدمغة الخلاقة لا الأدمغة التي بحجم أدمغة ... الدجاج.

في أي لحظة، يمكن أن تتحول العصا السحرية الى عصا غليظة. هذه هي أميركا (التي تحيي من تشاء وتميت من تشاء). اذا مضت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، وحيث التنازل المتبادل، الى النهاية المتوخاة، لا بد أن نكون أمام سنوات نستعيد خلالها ما أمكن من التوازن، ربما الازدهار.

ماذا اذا بقيت الأمور تراوح مكانها ؟ لا أحد يمكن أن يتكهن بما ستؤول اليه أحوالنا. اسرائيل تضغط بقوة للتوصل الى حل وشيك بعدما استكملت بناء كونسورتيوم الغاز مع أكثر من بلد على ضفاف المتوسط.

حتى اللحظة، كل شيىء على ما يرام. التجاذبات التكتيكية محدودة. لا بد من الوصاية، سواء كانت وصاية ديفيد شينكر أم كانت وصاية رستم غزالي...