يسعى المستثمرون دائماً للحصول على أفضل عائد على استثماراتهم أيّاً كان نوعها، ووفق القاعدة الذهبية في الاستثمار فإن العائد المرتفع يحمل في طياته مخاطر أكبر، على عكس الاستثمار في مخاطر أقل الذي لا يضمن سوى عائد أضعف.

وفي كلتا الحالتين، توجد مخاطر أيّاً كان حجمها. لكن الاستثمار في أدوات مالية مع اتفاق مسبق بالحصول على عائد استثمار سلبي، فهذا نوع ربما يكون جديداً على البعض، ولكنه موجود منذ سنوات، ويسمى بالسندات سالبة العائد.

وفي مناخ أدوات التحفيز الاقتصادي ومعدلات تضخم دون مستويات مستهدفة، تقوم الحكومات بإصدار سندات سلبية العائد، وهو ما يعني أن المستثمر يضخ أمولاً لشراء تلك السندات، وهو على علم مسبق باستردادها بعد انقضاء أجل السند بأقل من المبلغ المستثمر به.

ولكن هل يمكن أن يكون الاستثمار في سندات سالبة العائد يحمل عائداً غير مرئي، هذا ما ستجيب عنه السطور التالية:

بداية تمثل السندات سلبية العائد نحو 30 بالمئة من إجمالي إصدارات الدين العالمية، بقيمة تتجاوز 17 تريليون دولار.

وقد تظل العوائد السلبية معنا لبعض الوقت، فمنذ عام 2009 عندما جربت السويد معدلات السياسة السلبية لأول مرة، كسرت عدة دول الحد الأدنى للصفر، إما محاولة لتحفيز اقتصادها أو لمحاربة تقوية عملتها (ما يضر بالصادرات إذ يجعلها أكثر تكلفة). ومع ذلك فإن شراء السندات ذات العوائد السلبية قد لا يُعد أمراً جنونياً كما يبدو.

كيف تتحول لسلبية؟

تتحول عائدات السندات إلى سلبية حال تداولها في السوق المفتوحة بقيمة مرتفعة جداً عن قيمتها الاصلية، إذ أنه كلما ارتفعت القيمة السعرية للسند عن قيمته الأصلية كلما تقلص العائد، إلى حين أن يصبح العائد سلبي، وهذا بحد ذاته ربحاً.

والديون ذات العوائد السلبية ليست جديدة. فقد كانت وماتزال في أوروبا واليابان حيث يتم طرح هذه السندات بـفائدة صفرية أو ضئيلة للغاية، وعند الاقبال على شرائها بتسارع كبير يبدأ السعر بالارتفاع، مما يؤدي إلى بدء انخفاض العائد حتى يصبح سلبياً.

وتفرض البنوك المركزية رسوماً على البنوك حال احتفاظها بالودائع، وهو ما يجعل البنوك تتجه لشراء أدوات الدين، حتى وإن كانت ذات عائد سلبي. كما لا يزال المستثمرون يشترون هذه السندات لأن لديهم سيولة جيدة، وهناك خيارات قليلة أكثر أماناً من السندات الحكومية.

ونظراً لأن المزيد من سندات الشركات ذات التصنيف الائتماني العالي أصبحت هي أيضاً ذات عائد سلبي، فقد تستمر العائدات في الدخول أكثر الى منطقة العائد السلبي. وعليه، يشتري بعض المستثمرين السندات ذات العوائد السلبية لأنهم يتوقعون أن السندات ستحقق أسعار مستقبلية أعلى، وبالتالي عوائد أكثر سلباً مما يعني ربحاً لحامل السند.

من يشتريها؟

يتم شراء السندات عالية الائتمان ذات العائد السلبي لأغراض تنويع الأصول. إذ تُمكِّن مديرو صناديق التقاعد والتحوط من تقليل أخطار الخسارة من الاستثمارات الأخرى، مثل الأسهم. ولتوضيح كيف تصل عائدات السندات لقيمة سلبية، نفرض مثلا طرح مؤسسة ما لسندات بفائدة صفرية، بقيمة إسمية للسند 100 دولار، ومدة استحقاق السند 4 سنوات، ففي هذه الحالة حينما يقوم المستثمر بشراء هذا السند سيحصل بعد 4 سنوات على نفس القيمة وهي 100 دولار، وهنا يكون العائد المحقق 0 بالمئة. وفي ضوء الإقبال على مثل هذا السند، يقوم مشتري السند ذات الفائدة الصفرية بعرضه للبيع بقيمة أعلى من 100 دولار، وهنا يحقق المستثمر ربحاً تمثل نسبته ما حققه من قيمة تزيد عن المئة دولار المستثمرة. ولنفرض أنه قام ببيعه بسعر 106 دولار، علماً بأن المشتري يعلم أن العائد صفر، هنا تصبح خسارة المشتري تمثل 6 دولارات، وحال احتفاظه به لمدة 4 سنوات سيكون العائد سلبياً على السند بواقع 1.5 بالمئة في كل سنة.

5 أسباب

السؤال هنا: لماذا أقبل المشتري في الحالة الثانية على شراء سند بفائدة صفرية وبقيمة أعلى من قيمته الأسمية. هناك خمسة أسباب لذلك، هي:

1. مخزن للقيمة: توفر السندات ذات العائد السلبي ضماناً بتكلفة، فهي تنطوي على مخاطر ضئيلة في حالة التخلف عن السداد، كما أنها جذابة لبعض المستثمرين الذين يستخدمونها كصندوق تخزين للثروة حيث يعتبر المبلغ الإضافي المدفوع عند الاستحقاق تأميناً أو قسطاً للاحتفاظ بالثروة.

2. فرصة تحقيق ربح سريع: سيكون المستثمرون على استعداد لشراء السندات ذات العوائد السلبية إذا اعتقدوا أن العائد قد يتعمق أكثر في المنطقة السلبية. إذ أن أسعار وعوائد الدخل الثابت تتحرك بشكل عكسي، لذلك إذا أصبح عائد السندات الجديدة أكثر سلبية، فإن سعر السند الحالي سيرتفع، ما يسمح للمتداول بتحقيق ربح.

3. المحافظة على القوة الشرائية: في حالة المتغيرات الاقتصادية بحدوث انكماش في مستويات الأسعار للسلع والخدمات، فإن المستثمرين الذين بحوزتهم سند مدّته عام او اثنين وبعائد سلبي -0.5 بالمئة، وفي نفس الوقت يُتوقع أن يحدث انكماش، فإن سعر هذه السندات سيرتفع، مما يؤدي الى تدني العائد السلبي خلال نفس الفترة. وهذا يعني ارتفاع قيمة استثماره، مما يجعل لديه قوة شرائية أكبر في نهاية العام لأن أسعار السلع والخدمات ستنخفض بدرجة أكبر بكثير من قيمة الدخل الثابت.

4. استغلالها كرهن للتمويل: غالباً ما تستخدم السندات للتعهد كضمان للتمويل، كما أن البنوك مستعدة لمنح قيمة طويلة الأجل أعلى للسندات الحكومية والسندات ذات التصنيف العالي.

5. التحوط ضد تقلبات العملة: توفر هذه السندات للمستثمرين فرصاً كثيرة في مناطق مختلفة. فمثلاً عائد السندات الألمانية لمدة 10 سنوات يبلغ -0.5 بالمئة (أي سلبي)، وعائد السندات 10 سنوات الأميركية يبلغ 0.91 بالمئة، فيبدو عائد السند الألماني غير جذاب لمستثمري السندات الأميركية. ومع ذلك، فإن معدلات التحوط من العملات تستند إلى الفرق بين أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وألمانيا، وبما أن أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الولايات المتحدة أعلى بكثير مما هي عليه في ألمانيا، فإن المستثمرين الأميركيين يشترون السندات الأوروبية من أجل التحوط لاستثماراتهم باليورو. إذ يمكن للمستثمرين الأميركيين كسب عائد أعلى من خلال الاستثمار في السندات الألمانية ذات العشر سنوات بنسبة أعلى من الأميركية. فلو كان لدى المستثمرين نظرة على اليورو لمدة عام أو 18 شهراً بارتفاع من 1.10 دولار إلى 1.18 دولار، سيكون ارتفاع العملة بنسبة 6 بالمئة أكثر من تعويضه عن اختلاف 1.4 نقطة مئوية في العوائد بين السندات الأميركية والألمانية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فسيكون واضحاً أن السندات الألمانية ستوفر استثماراً أكثر جاذبية من الأميركية.

ما البديل؟

حتى لو لم يكن المستثمرون سعداء بالدفع لإقراض المال، فما هو البديل لسندات العائد السلبي؟

تاريخياً، لم تقم البنوك بتمرير معدلات إيداع سلبية إلى مستثمري التجزئة، ويرجع ذلك جزئياً إلى المخاوف من أنها قد تؤدي إلى تهافت الأفراد على ودائع البنوك. ومع ذلك، فقد تغير هذا في البنوك الأوروبية حيث يتم فرض رسوم على حسابات ودائع العملاء مما يجعلها تحقق معدلات فائدة سلبية على الودائع باليورو التي تزيد عن مليون يورو.

ودائع التجزئة لم تعد توفر مأوى. وعلاوة على ذلك، لا تحمي برامج تأمين الودائع سوى الودائع المصرفية التي تصل قيمتها إلى 100 ألف يورو، لذا فهي ليست مناسبة للمستثمرين ذوي المحافظ الكبيرة.

وبسبب ذلك، قد يتحول المستثمرون أكثر إلى سندات الشركات، ولكن تقدم السندات ذات العائد المرتفع مخاطر أعلى بكثير من السندات الحكومية.

أخيراً، ما لم يرغب المستثمرون في تحمل مخاطر إضافية، فمن المرجح أن يستمر الطلب على السندات، حتى ولو كانت العوائد السلبية.