لم يكن عابرا تخصيص رئيس الجمهورية العماد ميشال عون القسم الاكبر من الكلمة التي توجه بها الى اللبنانيين يوم السبت في اتجاه التأكيد على مضيه بمعركة «التدقيق الجنائي» ايا كان الثمن. اذ يعتبر عون كما «التيار الوطني الحر» تطيير التدقيق بعد قرار شركة «الفاريز ومارسال» توقفها عن العمل، ضربة موجهة مباشرة اليهما باعتبارهما في هذه القضية «أم الصبي»، وبالتالي فان نجاح اخصامهم بالاطاحة بهذا الملف يفاقم خسائرهما على الصعد كافة، خاصة وأن الانقسام الذي حصل في الفريق العوني نفسه حول كيفية مقاربة القضية، شكل هو الآخر ضربة لوحدة ومصداقية هذا الفريق، وطرح اكثر من علامة استفهام حول امكانية تواطؤ قسم منه مع «منظومة الفساد» التي يقول العونيون انهم بمواجهة معها.

وقد بلغ الاستياء والامتعاض في قصر بعبدا مستويات متقدمة نتيجة تعثر كل مشروع يقوده عون و«التيار» والذي تزامن اخيرا مع وصول استحقاق تشكيل الحكومة الى مفترق طرق حيث لم يعد هناك اي اشارات ايجابية تحيط به، وبات واضحا انه رهن اتضاح المشهدين الاقليمي والدولي بعد الانتخابات الاميركية.

وبحسب المعلومات، فان القرار العوني واضح برفض تقديم اية تنازلات تذكر لا في الملف الحكومي او في ملف التدقيق الجنائي، من منطلق انه وبعد العقوبات الاميركية على رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل وافشال القسم الاكبر من العهد بالمماحكات السياسية الداخلية والخارجية على حد سواء، لم يعد هناك ما يخشاه العونيون الذين يتجهون على ما يبدو الى اعلان المواجهة المفتوحة من دون خطوط حمراء.

ففي الملف الحكومي، يعتبرون ان الحريري ومن خلفه واشنطن، قررا استفزاز «التيار» والرئيس عون من خلال اعطاء كل الطوائف الحق بتسمية وزرائها وحرمان المسيحيين من هذا الحق، ما يطرح اكثر من علامة استفهام حول خلفية هذا القرار، «في ظل مخاوف كبيرة من محاولة احياء فتن مذهبية وطائفية نائمة، ليترافق الفراغ السياسي مع هزات امنية شتى تبدأ صغيرة وتتوسع الى عمل عسكري كبير، كانت ادارة دونالد ترامب من خلال وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو تسعى اليه لانجاح خطة القضاء على حزب الله المنهك بالعقوبات والضغوط المالية والاقتصادية»، على حد تعبير مصدر في «الثنائي الشيعي».

ويبدو واضحا ان الملف الحكومي دخل في مرحلة من الجمود قد تستمر اشهرا خاصة في ظل ما يتم تداوله عن ان الحريري لن يقدم اي تنازلات اضافية لا في الموضوع الحكومي او سواه من المواضيع باعتبار انه يتعاطى مع موافقته على استلام كرة النار في هذه المرحلة تنازل كبير كان يتوجب ان يلاقيه فيه باقي الفرقاء عند منتصف الطريق. وفي هذا السياق، تقول مصادر «المستقبل»، «هم بالعكس صوروا الحريري كأنه يعود الى الحكم طمعا بالحكم والكل يعلم ان تولي السلطة في هذه الظرول محرقة، وافق رئيس «المستقبل» على المجازفة ودخولها بمحاولة لانتشال البلد من مصير اسود كان رئيس الجمهورية نفسه وصفه بالجحيم». وتضيف المصادر لـ «الديار»: «لكن ان يواصلوا سياسة رفع السقف وفرض الشروط فسيتحملون ثمنه باهظا... فها هو المجتمع الدولي يسمي الامور بأسمائها، والارجح اننا سنكون على موعد دوري مع العقوبات من الآن وصاعدا».

وفي ملف التدقيق الجنائي، يعتقد ان انسحاب شركة «الفاريز» و«مارسال» سيكون له رد فعل كبير على المستوى الدولي، خاصة ان صندوق النقد كان قد ربط اصلا اي مساعدة يمنحها للبنان بانجاز هذا التدقيق. ويعتبر مصدر قيادي في «التيار الوطني الحر» ان «سقوط التدقيق يعني سقوط المبادرة الفرنسية والدخول في كباش سيتخذ على ما يبدو طابعا جديدا، باعتبار انه وكما كان متوقعا فان مافيا الفساد في لبنان لن تستسلم بسهولة وتسلم رقبتها،لذلك ستسخدم كل الاوراق التي بحوزتها، وهو ما فعلته بدفع شركة التدقيق لانسحاب مفاجىء بعدما اعتقدنا ان هناك اتفاقا معها على تمديد العقد 3 اشهر اضافية».

ويرفض المصدر الخوض بالخطوات التي سيقوم بها الرئيس عون كما «الوطني الحر» لاعادة وضع قطار التدقيق على السكة الصحيحة، مشددا في الوقت عينه على ان اتحاذ تسمية «تيار التدقيق الجنائي» تعني ما تعنيه لجهة تبني القضية اولوية مطلقة ما يعني استخدام كل «الاسلحة» للوصول بها لبر الامان.