منذ عقد من الزمن، تمرّ العلاقة بين الرئىس سعد الحريري، والنائب السابق وليد جنبلاط، في مراحل يغشاها الضباب، كما التعرجات، والتقلبات في المواقف، وهو الاسلوب الذي استخدمه جنبلاط مع الرئىس رفيق الحريري، الذي وصفه رئىس الحزب التقدمي الاشتراكي بـ«كرخانة قريطم» واحد «حيتان المال»، وكان الوسطاء يتدخلون للاصلاح بينهما واعادة حلف «السراء والضراء»، الذي استمر مع الحريري الابن، بعد اغتيال الاب الذي عندما كانت تتوتر علاقاته به «هذا هو وليد».

وهذه العلاقة الجنبلاطية ـ الحريرية، ترتبط بمصالح الطرفين، ففيها تقارب وتباعد، وكانت تمر بهدنات تفرضها ظروف محلية، وأخرى اقليمية، وتدخلت السعودية اكثر من مرة، للمصالحة بين حلفاء الامس، وجمع ما انقطع بينهما، لمواجهة تحديات داخلية يمثلها حزب الله، او اقليمية، تتعلق بالنفوذ الايراني والمحور المقاوم.

ومنذ التسوية الرئاسية بين الحريري والعماد ميشال عون، والتي اوصلته الى رئاسة الجمهورية فان جنبلاط شعر بأنه لم يعد «بيضة القبان»، وخسر دوره كاحد المؤثرين في الانتخابات الرئاسية، في استعادة لما كان يقوم به والده كمال جنبلاط، في مطلع السبعينات من القرن الماضي، عندما كان يمتحن المرشحين لرئاسة الجمهورية، وهذا ما اقلق جنبلاط بأن تفقد المختارة دورها، لا سيما مع تمدد «التيار الوطني الحر» نحو الجبل، واقامة تحالف مع النائب طلال ارسلان وحلفاء آخرين، وزاد حذره مع وصول العماد عون الى قصر بعبدا، وفق ما تشير مواقف زعيم المختارة، التي يعبر فيها دائماً عن توجسه من «الحراك العوني» في الجبل، والذي ادى الى وقوع حادثة قبر شمون. فيحمّل جنبلاط المسؤولية الى التسوية الرئاسية التي عقدها الحريري، ومكّن من خلالها الوزير السابق جبران باسيل، من ان يضع يده على قرار الحكومة، ويبني نفوذاً له في ادارات الدولة، ويعمل على تحطيم خصومه السياسيين «كالقوات اللبنانية» التي سهّلت التسوية، والكتائب، ووصولاً الى الحليف السياسي «تيار المردة»، فاستأثر باسيل بالحصة المسيحية تحت شعار استعادة الحقوق الطائفية، وشجع على ان يكون له حليف داخل الطائفة الدرزية.

من هنا، ظهر عدم ثقة بين المختارة وبين الوسط، وحصل سجال بين الطرفين، تخطى السقوف العالية في الانتقاد، الى حد وصف جنبلاط للحريري بـ«الغدار»، ورد الاخير عليه بقلة «الوفاء»، وبأنه لن يخضع لابتزاز رئىس الاشتراكي، كما كان يفعل مع واللده، يقول الحريري في مجالسه، وقد وصلت العلاقة بينهما الى مراحل اللاعودة، وتمدد الجفاء الى قواعد الطرفين، لا سيما في اقليم الخروب في الشوف، الا ان مصالحهما كانت تعيدهما الى «بيت الطاعة»، وفق مصدر مطلع على العلاقة بينهما، اذ رفع جنبلاط السقف، لينال حصة له، او ليحمي نفوذه ووجوده في السلطة ومؤسساتها، في ظل عهد يعمل على تحجيمه واضعافه سياسياً، كما يعلن جنبلاط نفسه، الذي لم يتمكن من تعيين قائد للشرطة القضائية في قوى الامن الداخلي، اقترح اسمه، فعُين العميد ماهر الحلبي الذي نال تأييد ارسلان، وتمتعه بالمواصفات التي تؤهله لهذا المنصب بالاقدمية والمهنية.

لذلك فان جنبلاط فضح الحريري عندما اعلن، انه عرض عليه وزارة الخارجية ومعها وزارة السياحة، بانه لا يشكل حكومة من غير حزبيين او مستقلين وأصحاب اختصاص، وهو ما لم يمارسه مع آخرين، لا سيما «التيار الوطني الحر»، الذي يرفض الحريري التواصل معه، بالرغم من طلب رئىس الجمهورية منه، وقيام الموفد الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل بتأمين اتصال هاتفي بين الطرفين، الا انه لم يترجم في الاسراع بولادة الحكومة، اذ تتحدث المعلومات، عن ان جنبلاط اوفد النائب وائل ابو فاعور الى «بيت الوسط» ليستمع الى طلب الحريري الذي ابلغه بأنه سيعطي الحزب الاشتراكي وزارة سيادية ويكسر المداورة، فكان جواب رئيس الاشتراكي بالرفض، لان الخارجية في هذه الظروف الداخلية والاقليمية والدولية، لا يريدها، ليعود التوتر بينهما.

وما كشفه جنبلاط عما عرضه الحريري عليه، يؤكد ان الحكومة التي يسعى اليها، ليست مستقلة وهو يعمل على تلبية مطالب القوى السياسية، وقد سبق لزعيم المختارة، ان اعلن عن اتصال اجراه الرئىس نجيب ميقاتي مع ابو فاعور، لإسناد وزارة التربية الى الاشتراكي، اثناء تكليف السفير مصطفى اديب، الذي استقال بعد اسبوعين، وهذا تأكيد آخر على ان ليس من حكومة مستقلين، وان حكومة حسان دياب تحاكي الواقع الذي انتج حكومة سياسية باختصاصيين، والحريري نفسه يسلك هذا الطريق، الذي لن يوصله الى بعبدا الا برفقة باسيل.