لن تولد الحكومة، قبل ذكرى ميلاد السيد المسيح الذي اتى مخلصا، ولتحرير الانسان من ان يكون الانسان للسبت وليس السبت للانسان، وهي بدعة يهودية، فإن القوى السياسية تعمل لمصالحها الفئوية والطائفية وليس للبنان وانسانه، وعليها ان تتحرر من هذه المحاصصة وتعمل للبنان، وهذا هو المشهد السياسي الذي يرافق ويطغى على تشكيل الحكومة.

فمنذ تسليم الرئىس المكلف سعد الحريري اسماء حكومته الـ 18 مع الحقائب الوزارية الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الاسبوع الماضي فإن اي تواصل بينهما للبحث في التشكيلة لم يحصل بل جرى سجال اعلامي بينهما، افتتحه الرئيس عون عبر مستشاره الوزير سليم جريصاتي، عبر مقال له في صحيفة اعتبر فيها بأن ما حمله الحريري الى القصر الجمهوري من اسماء وتوزيع حقائب، ليس هو المطلوب، مما اضطر الرئىس المكلف الى الرد، بأنه ضمن التشكيلة اربعة اسماء مع حقائب تقدم بها رئىس الجمهورية، ولم يتنكر له بأنه شريك في التأليف ثم جاء رد مباشر من رئاسة الجمهورية بأن الحريري قفز فوق المكونات السياسية التي ستمنح حكومته الثقة.

فهذا التراشق الاعلامي، زاد من القطيعة بين قصر بعبدا وبيت الوسط وهي حصلت لمدة ثلاثة اسابيع، لم يزر خلالها الحريري الرئىس عون لاطلاعه على مسار تشكيل الحكومة وكان زاره قبل ذلك حوالى 11 مرة، كان الحديث بينهما يتركز على شكل الحكومة وعددها فكان رئيس الجمهورية يطالب بحكومة من 24 او 22 وزيرا ويصر الحريري على 18 ليحجب تمثيل اطراف سياسية يريدها الرئىس عون مثل «كتلة ضمانة الجبل» برئاسة النائب طلال ارسلان الا انه جرى تخطي هذه العقبة ووافق الرئىس عون على حكومة من 18 ليختلفا لقاء الحريري مع الوزير جبران باسيل والوقوف على رأيه بالتمثيل المسيحي في الحكومة كما فعل مع «الثنائي الشيعي» (امل وحزب الله)، ومع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وهذا الامر لم يحصل سوى الاتصال الهاتفي لدقيقتين الذي امنه الموفد الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل الى لبنان قبل اسابيع، بحيث تشير مصادر سياسية الى ان كل من الرئيسين عون والحريري على موقفهما المتصلب ولن يقدم اي منهما التنازل للاخر، انطلاقا من ان رئىس الجمهورية يعتبر نفسه دستوريا شريكا اساسيا في التشكيلة، ويملك التوقيع على المراسيم من ضمن صلاحياته الدستورية، في حين ان الرئىس المكلف يتشدد بأنه هو من يسمي الوزراء ويوزع الحقائب ويقدمها الى رئىس الجمهورية الذي عليه ان يقبل بالصيغة او يرفضها، وهذا ما فعله دستوريا.

والخلاف يقع عند هذه المسألة الدستورية والسياسية في آن، ولن يقبل الرئىس عون ان ينتهي عهده ولا يكون له رأي في تشكيل الحكومة، ولن يقبل ان يمارس دورا ينتقص من صلاحيات وهيبة رئاسة الجمهورية التي انتقص من صلاحياتها في اتفاق الطائف، في حين ان الرئىس المكلف لن يقبل بان لا يشكل حكومة تكون حكومته وفق المواصفات التي يرى بانها تتلاءم مع المرحلة الصعبة والازمة المالية والاقتصادية والاجتماعية، التي يمر بها لبنان، فهو رأى بان حكومة منتجة ومنسجمة، تتكون من خارج الاحزاب ومستقلين عنها، بعد تجاربه السابقة مع حكومات المحاصصة الحزبية، وفق ما تكشف المصادر نقلا عن الحريري واوساطه، الذي يؤكد بانه لن يغير في حكومته التي قدمها للرئىس عون، الا اذا اقتنع منه بحصول تبديل ما، وكما لن يقدم على الاعتذار.

امام هذه الشروط والشروط المضادة، فان الجمود يسيطر على تشكيل الحكومة، ولا وجود لوسطاء على الساحة الداخلية يقربون بين وجهات النظر، سوى مناشدات للاسراع في اصدار مراسيم الحكومة بالتوافق بين الرئىسين عون والحريري، لوقف الانهيار ومنع لبنان من الزوال، وفق تحذيرات دولية واقليمية معنية في لبنان، لا سيما فرنسا التي اعلن وزير خارجيتها جان ايف ـ لودريان، بان لبنان غرق مثل سفينة «تايتنيك ولكن دون موسيقى»، وهذا كلام خطير بات اللبنانيون يتلمسونه ويعيشونه يومياً، وهم يغرقون في خسارة مدخراتهم في المصارف، وفي ارتفاع الاسعار خمسة اضعاف ما كانت عليه، وفي انتظار رفع الدعم ليصل سعر صرف الدولار الى عشرات الالاف، وكذلك اقفال المؤسسات، وارتفاع نسبة البطالة وتمدد الفقر، وانتشار الجوع الخ...

فالمعاناة لا بل المأساة التي يعيشها اللبنانيون، لا سيما الفقراء والطبقة الوسطى منهم، التي بدأت بالانقراض، فان زعماء طوائفهم ورؤساء احزابها، ماذا سيقولون لهم، بعد ان نجحوا في ان يتلهوا بالجدل البيزنطي حول الصلاحيات والمحاصصات، وبات الجوع يطرق ابوابهم، بعد سقوط النظام السياسي، ومعه المالي والمصرفي وتواصل الى القضائي.