لا نبالغ بالقول أن الرواية عن حريق مخيم النازحين السوريين في بلدة المنية شمالي طرابلس (لبنان)، تلوّنت يوماً بعد يوم قبل أن يُسدل الستار، فكانت حربائية بامتياز. تناهى في البدء أن الشرارة انطلقت من تحرش مراهق بفتاة سورية تسكن المخيم، فتصدى له أهلها، الأمر الذي دفعه بمفرده إلى إحراق المخيم، ثم علمنا أن جماعة مسلحة ارتكبوا الفَعْلة وليس شخص واحد، ثم سرت إشاعة عن تدخل عائلة المتحرِّش وبعض من رفاقه.

وأفادت الرواية أيضاً بأن «الدفاع المدني» وصل متأخراً، بعد أن تحول المخيم إلى رماد كما لو كان في كل خيمة من الخيم الثلاث والتسعين شوالاً معبّأ بمادة الأمونيوم، لأن «هذا الدفاع المدني» ليس مؤهلاً ومستعداً، فتولى أمر مساعدة النازحين النساء والأطفال الذين أخليوا من خيمهم قبل إضرام النار فيها، فباتوا دون مأوى، أما سكان المخيم الرجال والشباب فلقد غابوا عن الصورة!!!...

ولكن اللافت للنظر هو انتشار الأخبار والرسائل المصورة (الفيديوهات) على وسائل التواصل، التي يتبنى معدُّوها ومدبِّجوها موقفاً مماثلاً «للثوار ـ الإخوان المسلمين» في سورية بدليل أنهم سارعوا فوراً ودون تحقق مسبق، إلى تحميل أنصار الدولة السورية وحلفائها في لبنان، مسؤولية غير مباشرة عن ما حدث. نجم عنه هجوم إعلامي ودعائي على «العهد وأنصاره» في لبنان، منسجم مع خطاب المعارضين اللبنانيين، يعكس في الواقع العلاقة التي تربط بين الطرفين في إطار السيرورة التي أطلقتها الولايات المتحدة منذ أن أعلنت حرب إعادة رسم خريطة المنطقة لكي تصير أكثر ملاءمة لمصالحها المشتركة مع الاستعمار الصهيوني.

ولعل الرسالة المصورة الأبرز، تلك التي وجهها أحد «الثوار» السوريين إلى النازحين، كونها أبلغ تعبيرعن الأهداف التي حددتها الولايات المتحدة الأميركية لوكلائها في حملتها العدوانية على البلاد السورية والعراق . يدعو هذا «الثائر» الذي سبق له أن بعث برسائل من إسرائيل نفسها، النازحين السوريين إلى حمل السلاح للدفاع عن حقهم في البقاء في لبنان («هذه أرضكم»)، امتثالاً باللاجئين الفلسطينيين الذين «استبدلوا» كما يفهم من فحوى الرسالة، سلاح التحرير بسلاح التوطين!

استناداً إلى هذا كله يحق للمراقب أن يشكك حتى إثبات العكس، في الرواية عن حريق مخيم المنية الذي يقع كما هو معروف في منطقة لبنانية خاضعة، مثل غيرها، لسلطة الأمر الواقع. ينبني عليه ليس منطقياً أن تُستبعد فرضية الفعل المتعمّد. أما إذا تأكد ذلك فعلى الأرجح أن الغاية منه هي تمدد «الثورة السورية» إلى لبنان بحسب معطيات تجعل الذين يقفون وراء الحريق، سواء كانوا يتبعون أطرافاً محلية أو خارجية، يعتقدون أن الظروف متوافرة لذلك.

يبقى أن نقول في الختام أن التصدي للمستعمرين لا يجب أن يقتصر على الدفاع عن النفس وإنما أن يتعداه إلى الكفاح من أجل التحرير، وكذلك فإن معالجة أمر «الثورة ـ المضادة» لا تكون باحتواء الأذى الذي تتسبب به وإنما بالثورة الحقيقة!