يتساقطون من اوراق شجرة النهضة، ولا يسقطون على جوانب الطريق، توفي غسان زكريا، الحائز على رتبة الامانة في الحزب السوري القومي الاجتماعي بشروطها وعن جدارها، ولم تمنح له كرقم في لوائح الشطب الحزبية، كما بات معلوماً، فهو غادر الحياة التي أحبها، وقفة عز فقط، ولم يمر على الدنيا دون ان يترك اثراً، فالعقود التسعة التي قضاها، لم تكن نزهة، بل ايمانا بعقيدة اقسم يمين الولاء لها، هي عقيدة الارض والانتماء اليها، تترك السماء والمتقاتلون عليها، لانهم ليسوا مؤمنين برسالتيها المسيحية والمحمدية، والتكفير الآخر، وعدم احترام معتقده الديني فخلقوا نزاعاً في الارض تحت مسميات عدة، من فتوحات باسم الدين وحروب تبشيرية، واخرى تحت عنوان «شعب الله المختار».

غسان زكريا، الذي ارتبط اسمه بالسجون في سوريا، التي دخلها لانه قومي اجتماعي، في زمن الملاحقات من قبل السلطة الحاكمة في الخمسينات والستينات، فاصدر كتابه في «سجون البعث»، وقد سبقه بمؤلف يروي فيه عن المرحلة التي حكم فيها رجل المخابرات القوي في سوريا عبد الحميد السراج، الذي كان نسيباً لزكريا فهو عديله من زواجه الاول، وعنوّن كتابه بـ«السلطان الاحمر»، الذي كان اسمه يُرعب سوريا ولبنان، لا سيما في ايام الوحدة المصرية ـ السورية، تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة التي ترأسها جمال عبد الناصر اذ يرتبط اسم السراج بالتعذيب حتى قتل اضافة الى ان انخرط زكريا في العمل الصحافي، وهو من بيت دمشقي عريق، تولى والده المديرية العامة للزراعة في سوريا، وهو ابن خالة الصحافي والناشر رياض نجيب الريس الذي غادرنا قبل نحو عامين، فعمل زكريا في صحف ومجلات سورية ولبنانية، ومنها مجلة «الحوادث» التي اصدرها سليم اللوزي، لكنه قرر ان تكون له مطبوعته، فكانت مجلة «سوراقيا»، وهو يعني بالاسم سورية والعراق او ما يعرف بالهلال الخصيب، تأكيداً منه على ايمانه بان هذه البلاد التي قسمها الاستعمار البريطاني ـ الفرنسي في معاهدة سايكس ـ بيكو عام 1916، لن تنفصل ستبقى واحدة، وان توزعت كيانات سياسية والتي بدأ بتحويلها الى كيانات طائفية ومذهبية، في النسخة الاولى للتقسيم الاستعماري، الذي كان يلحظ هذه الكيانات التي اسقطها ابطال وحدويون من يوسف العظمة الى سلطان باشا الاطرش وابراهيم هنانو وغيرهم من الوطنيين الوحدوين في سوريا، ومثلهم في لبنان وبلاد الشام وما بين النهرين.

كان زكريا مسكونا في التاريخ، قراءة وكتابة، وعمل على موسوعة ملوك سورية التي لم تبصر النور، بسبب تكاليفها المالية، والتي وضع لها رسوماً خاصة، لفنانين معروفين، وفارق الحياة، ولديه غصة بان موسوعته لم تصدر.

تعاونت معه في كتابة مقال «لسوراقيا» اسبوعياً، منذ مطلع التسعينات، حيث كانت المجلة تمر بأزمات مالية، وصعوبات الصدور، لكنه كان العاشق، لها، فكان يتدبر امره ويعيد اصدارها، اذ كان مضمونها غنياً بمقالات للعديد من كتاب وصحافيين ومفكرين، مروا على صفحاتها، التي تميزت بالتنوع، ولم يكن صاحبها ورئىس تحريرها، مهادناً، بل مشاكنا ومعارضاً، فتلقى دعاوى، بعضها صدر حكم بتوقيفها واعلان افلاسها، الى ان اقفلت قبل لنحو 15 عاماً، وغسان لا يمل عن البحث لاعادتها، فسعى ان تكون الكترونيا، فلم يبرح، وادى شح المال الى ان تغلق صفحاتها، وتصبح مجلدات في الارشيف، وتضم تاريخاً سياسياً وثقافياً وفكرياً.

رحل غسان زكريا من دون مأتمه، لان وفاته في لندن، في ظل الظروف الصحية لوباء «كورونا»، تركته يموت وحيداً في مستشفى منعت الاجراءات من ان يلقي اقاربه واصدقاءه ورفقاؤ ه وزملاؤه النظرة الاخيرة.

سكنه التاريخ، وهو استوطنه، فكان دائماً مع حمورابي ونبوخذ نصر وسنحاريب وهنيبعل وزنوبيا واليسار وقدموس وكل العظماء والابطال من بلاده.

مات متحسراً ان يقيم تمثالا لانطون سعاده في احد ساحات الامة، لا سيما لبنان.