الحريري يُصرّ على تشكيلته الحكومية إذ قد يطول عمرها الى ما بعد انتهاء عهد عون وعدم حصول الانتخابات

لا يزال جزء من الخلاف على تشكيل الحكومة يتمحور حول تفسير كلّ طرف سياسي للمواد الدستورية على هواه. ولعلّ هذا ما جعل رئيس الجمهورية ميشال عون يقول أخيراً خلال استقباله رئيس المجلس الدستوري وعدد من أعضائه «إنّ دور المجلس لا يجوز أن يقتصر على مراقبة دستورية القوانين فحسب، بل كذلك تفسير الدستور وفق ما جاء في الإصلاحات التي وردت في وثيقة الوفاق الوطني». ودعا بالتالي الى «معالجة مسألة وجود ثغرات في النصوص التي تُحدّد صلاحيات الوزراء من خلال إيجاد نصوص تمنع أي التباس في مسار عملهم، لأنّها تؤثّر سلباً في مصالح الدولة والمواطنين».

مصادر سياسية مواكبة أكّدت أنّ الجمود الحكومي يُرواح مكانه كون كلّ من رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف يتمسّك بالصلاحيات التي منحه إيّاها الدستور، غير أنّ كلّ من الطرفين يقوم بتفسير المواد المتعلّقة بصلاحياته وفق مصالحه بدلاً من أن يكون هناك تفسير واحد للمواد الدستورية. علماً بأنّ الرئيس حسين الحسيني لا يزال منذ العام 1989 أي منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم يتمسّك بما يُسمّى بـ «محاضر الطائف» التي هي بحوزته ويمتنع عن الكشف عنها، رغم الحديث عن أنّها تشمل التفاصيل المتعلّقة بهذه المواد والتي بإمكانها وضع حدّ لكلّ المغالطات والتأويلات.

وأوضحت المصادر، انّ الأمور الداخلية والخارجية لم تنضج بعد لولادة الحكومة رغم كلّ التداعيات السيئة التي يُعاني منها المواطنون جرّاء بقاء حكومة تصريف الأعمال التي لا تجتمع ولا تقوم بأي دور إيجابي ملموس لحلّ أي من الأزمات المتفاقمة باستثناء العمل على مواجهة وباء «كورونا» والحدّ من تفشّيه بالشكل الخطير الذي نشهده اليوم. أمّا الحديث عن سقوط المبادرة الفرنسية رغم إعلان كلّ طرف تمسّكه بها وببنودها، فلا يُلغي مبدأ أنّ تشكيل أي حكومة مقبلة سيندرج في إطار «حكومة المهمّة» لأنّ كلّ حكومة عليها إنجاز مهمّة ما، وإن كانت الحكومة المنتظرة ستتولّى مهمّات عدّة مطلوبة منها عليها تحقيقها في أسرع وقت ممكن.

وبحسب رأي المصادر نفسها، فإنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري الذي يتمسّك بحكومة إختصاصيين إنقاذية، وهو محقّ في خياره هذا، يصرّ في الوقت نفسه على حكومة من 18 وزيراً التي لا تلتزم بوحدة المعايير إنّما بحرق حقوق بعض الطوائف، لأنّه يعلم تماماً بأنّ حكومته لن تبقى لستّة أشهر فقط، أو حكومة مؤقّتة، وإنّما لسنتين أو أكثر أي حتى ما بعد انتهاء عهد الرئيس عون. ويقترح أن يتولّى وزير الخارجية وزارة الزراعة أيضاً، ووزير البيئة وزارة الشؤون الإجتماعية أيضاً، على سبيل المثال، أي أن يقوم كلّ وزير بتولّي حقيبتين وزاريتين، بدلاً من اختيار وزير إختصاصي واحد لكلّ من الوزارات القائمة، على ما يُطالب الرئيس عون من أجلّ تحقيق الإصلاحات المطلوبة على أكمل وجه. علماً بأنّ هذا الأمر ينتقص من حقّ الطائفة الدرزية وكذلك الكاثوليكية، بهدف السيطرة على الحكومة ككلّ في وقت من الأوقات.

فمن ضمن ما هو مرجّح، على ما أضافت المصادر، عدم حصول الإنتخابات النيابية وكذلك الرئاسية في العام 2022، ولهذا فإنّ الرئيس المكلّف يُصرّ على التشكيلة الحكومية التي يطرحها كونه بموجب الدستور، وفي حال عدم حصول هذين الإستحقاقين، تنتقل الصلاحية لمجلس الوزراء القائم حُكماً. وتُصبح سيطرة الحريري على جميع الأمور أسهل.

ولهذا فإنّ ما طالب به الرئيس عون من المجلس الدستوري، ولقي بعض الإنتقادات، يأتي في مكانه الطبيعي، على ما ترى المصادر نفسها، لأنّ الخلاف على تفسير مواد الدستور لا بدّ من جهة ثالثة مختصّة ومخوّلة أن تحسم الأمر حوله. وأشارت الى أنّ المادة 53 ولا سيما البند 4 منها الذي ينصّ على أنّه «يُصدر بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة»... يتمسّك بها الرئيس عون كونها من الصلاحيات والضمانات المتبقيّة له بعد اتفاق الطائف، سيما أنّها تجعل المبادرة تبقى في يده في إصدار المرسوم وترجمت موافقته على التشكيلة الحكومية، ولهذا لا يريد التفريط بها.

أمّا المادة 64 من الدستور لا سيما في البند 2، فتنصّ على أنّ رئيس مجلس الوزراء «يُجري الإستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها»... وهذه المادة ليست بأهمية المادة الأولى وإن كانت تُكمّلها. والأهمّ في هاتين المادتين أنّ الشركة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف مطلوبة في تشكيل الحكومة، ولا يُمكن بالتالي لأي طرف الإستغناء عن دور الآخر أو محاولة إلغائه، مع التشديد على أنّ المبادرة بإصدار المرسوم تبقى في يدّ رئيس الجمهورية. علماً بأنّ إشراك الرئيس المكلّف مع رئيس الجمهورية لا يعني أخذ صلاحيات الرئيس أو الحلول مكانه.

ولفتت المصادر الى أنّ الدستور يعطي الجميع حقّ المشاركة في عملية تأليف الحكومة الى جانب رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف، لا سيما رئيس المجلس النيابي وجميع النوّاب، وذلك انطلاقاً من الإستشارات النيابية المُلزمة التي يُجريها رئيس الجمهورية بدايةً لتسمية الرئيس المكلّف، ثمّ الإستشارات النيابية التي يُجريها هذا الأخير لوضع تشكيلته الحكومية.

كذلك فإنّ مطالبة عون من المجلس الدستوري إيجاد نصوص تمنع أي التباس في مسار عمل الوزراء، ويطال تحديداً المادة 66 من الدستور التي تنصّ على أنّ الوزراء يتولّون «مصالح الدولة ويُناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين، كلّ بما يتعلّق بالأمور العائدة الى إدارته وما خصّ به»، يهدف الى حثّ الوزراء الحاليين في حكومة تصريف الأعمال على القيام بمهامهم بما يخدم مصلحة المواطنين ولبنان بدلاً من إضاعة الوقت في عدم القيام بأي شيء.

من هنا، تقول المصادر إن الثقة والتوافق لا بدّ من وجودهما بين جميع الأطراف في عملية تأليف الحكومة... وهذان الأمران مع الأسف، غير متوافرين حالياً لاعتبارات عدّة، ولرهان بعض المكوّنات السياسية على المتغيّرات الإقليمية والدولية رغم علمها بأنّها ستطول لبعض الوقت، وبأنّ الوقت المهدور سيؤدّي الى المزيد من الإنهيار في البلاد.