لسنا فقط أمام حكومة تصريف الأعمال (بالتي هي أسوأ). أيضاً أمام دولة تصريف الأعمال (بالتي هي أسوأ)، وحيث الأمور تمضي، بخطوات حثيثة، من الانحلال الكامل الأوصاف الى الانفجار الكامل الأوصاف.

لن نكرر قولنا بأننا ضحايا منظومة سياسية كرست «عبقرية الفساد». نحن ضحايا الهيستيريا الجيوسياسية، بكل أبعادها العبثية، كما ضحايا التقاطع (أو التصادم) بين اللوثة القبلية واللوثة الأمبراطورية، وبينهما اللوثة الايديولوجية، في الشرق الأوسط!

من هنا رهاننا على احياء اتفاق فيينا، بالتداعيات الباردة على لبنان والمنطقة، مع التوقف أمام تعيين الديبلوماسي المحترف وليم بيرنز مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية، وهو الذي خاض، بالكثير من طول الأناة وطول الباع، مفاوضات الأروقة الخلفية مع الايرانيين.

وها أن الكلام يتردد الآن حول دوره غير المعلن في محاولة وصل ما انقطع بين واشنطن وطهران، بعدما وصف دنيس روس المفاوضات مع الايرانيين بأنها «اقرب ما تكون الى مفاوضات مع جدران القاعة».

اللافت عشية رحيل دونالد ترامب صدور موقف صارخ من الثلاثي الأوروبي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) يدين الاجراءات الايرانية بـ «انتهاك الاتفاق النووي». جان ـ ايف لودريان ذهب الى أبعد من ذلك حين قال ان ايران تتجه الى امتلاك قدرات نووية ذات طبيعة عسكرية، ما يطرح الأسئلة حول خلفيات هذا الكلام.

زميل فرنسي يتابع هذا الملف بالذات، أوضح أن أجهزة الاستخبارات في البلدان الثلاثة حصلت على معلومات «من الأرض» بأن الايرانيين، ومنذ أن خرج الرئيس الأميركي من الاتفاق، واتهامهم الدول الأوروبية بالعجز عن وضع آلية للحد من أهوال الحصار الاقتصادي، قاموا بالخطوات التي تجعلهم على قاب قوسين من القنبلة.

ما الذي يزعج الأوروبيين اذا ما قام في الشرق الأوسط توازن نووي بين ايران و«اسرائيل»؟ في رأي الزميل الفرنسي أن البنية الفلسفية لكلا البلدين تنطلق من ركام ايديولوجي ناتج عن «آلام التاريخ»، كما قال الفيلسوف اليهودي الفرنسي آلان فينكيلكروت. وهذا ما يجعل أياً منهما يرى في الخيار النووي سبيلاً الى الخلاص...

هنا يكشف الزميل الفرنسي أن بنيامين نتنياهو تعهد أمام مسؤول عربي كبير بأنه سيقدم له «هدية رائعة» تقلب السياق الاستراتيجي في الشرق الأوسط رأساً على عقب في اللحظة التي يقترب فيها آيات الله من اللحظة النووية...

لا شيء في الثقافة «الاسرائيلية»، بالخلفية الأبوكاليبتية، يحول دون ذلك. من هنا نفهم معنى تجول غواصة نووية «اسرائيلية» على مقربة من مضيق هرمز...

الايرانييون ينفون أي اتجاه للحصول على معدن اليورانيوم لأغراض عسكرية. يعتبرون أن الخيال في القارة العجوزمصاب بعارضين مرضيين «العارض الأميركي» و«العارض الاسرائيلي». يسألون عما فعله الأوروبيون منذ أن خرج ترامب من الاتفاق النووي، وأين هي الامتيازات الاقتصادية التي تعهدوا بتقديمها.

يستغربون «الصحوة الأخلاقية» لدى الأوروبيين، كما لو أن فرنسا لم تنشئ مفاعل ديمونا في النقب، وتساعد «تل أبيب» على صناعة القنبلة. ألمانيا قدمت «لاسرائيل» غواصات «دولفين» التي تم تزويدها برؤوس نووية. ماذا عن بريطانيا التي حين أرادت تنظيف أرضها من «اليهود» بعثت بهم الى فلسطين؟

واضح أن الايرانيين يرفعون معدل التخصيب، كما يرفعون صوتهم، لاستخدام ذلك كورقة تكتيكية في أي مفاوضـات محتملة مع الادارة الأميركية الجديدة...

أين نحن هنا؟ الثابت أن المنحى الذي تأخذه صراعات المنطقة، وحيث السكين على السكين، ينعكس، بصورة دراماتيكية، على الساحة اللبنانية الى حد الاضمحلال التدريجي للدولة، حتى اذا ما خرج الدخان الأبيض من البيت الأبيض، وكانت العودة الى اتفاق فينا، لا بد أن يحل منطق القفازات (الحريرية) محل منطق القاذفات.

آن الأوان للانتقال من حفر الخنادق (والقبور) الى... الحفر في المستقبل!!