مصير الحريّات في أميركـا عشيّة سقوط «الكابيتول»

يبدو أنّ سنة 2021 تنوي خطّ التاريخ الحديث كسلفها، إذ تحوّلت أنظار العالم في الأسبوع الأوّل منها من أخبار عنوانها «كورونا» سيطرت طوال السنة المنصرمة على وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الإجتماعي، إلى خبرٍ منفردٍ حول الكابيتول الأميركي، منذرًا إلى أنّ العالم استشعر خطرًا محدقًا، يوازي خطر الفيروسات القاتلة التي ألزمتنا التباعد الإجتماعي والإغلاق التامّ، فأيّ نوعٍ من التباعد والإغلاق يفرضه هذا الخبرالأميركي على العالم؟وماذا يعني حظر الحسابات الرسميّة للرئيس الشرعي لدولةٍ عظمى كانت توصف منذ زمنٍ ليس ببعيد بمنارة الحريّات، على وسائل التواصل الإجتماعيّ؟

لا شكّ أنّ الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتّحدة الأميركيّة يعدّ شخصيّة مثيرةً للجدل، كسرت الصورة النمطيّة للشخصيّات السياسيّة المنمّقة الكلام والمشذّبة السلوك. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب قدم من عالم الأعمال وليس السياسة التي عادةً ما ينجبل أربابها بالمكر والمواربة، يقول ما يجول بخاطره دون تنقيح، وغالبًا ما تتصدّرتصريحاته أخبار العالم. إلّا أنّه وعلى الرغم من هذا كلّه، فقد إرتفع رصيد الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة لعام 2020 بحوالى عشرة ملايين صوت مقارنةً بما كان قد حصل عليه في انتخابات عام 2016، ما يحملنا على التساؤل: هل الرئيس ترامب فعلا على هذا القدر من عدم الكفاءة، أم أنّها صورة نجحت في ترسيخها ماكينات البروبغندا السياسية والإعلاميّة على مرّ السنوات الأربع الماضية؟

العمّ جو، البالغ من العمر 82 عامًا، لبنانيّ الأصل أميركي النشأة والهوى، عمل كمهندس لامع ورجل أعمالٍ ناجح. دفعه عشقه للولايات المتحدة الأميركيّة وكلّ ما يرى أنّها تمثله من حريّاتٍ وفرصٍ ومساواةٍ ورأسماليّة، إلى شغر منصب رئيس وعضو المجلس البلدي في مدينته في ميشيغين على مدى 18 سنة. اليوم، يقول للديار في حديث معه إنّ حبيبته أميركا «ماتت عند إعلان جو بايدن رئيسًا، وأصبحت مرتهنةً لليساريين والديمقراطيين ولربما الصينيين أيضًا، وماتت معها فرص إنقاذ لبنان من غرقه».

العمّ جو هو واحدٌ من 74 مليون أميركي إختاروا الرئيس دونالد ترامب ممثلا لهم في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة، لأنّه يرى أنّ ترامب نفّذ السياسات الخارجيّة الصحيحة واضعًا مصلحة أميركا أوّلا، سيّما مع الصين وإيران، كما أبعد نار الحروب وعبء المهاجرين عن بلاده. إلّا أنّ العمّ جو حمّل الرئيس ترامب وزر أعقاب تظاهرة الكابيتول الشهيرة، لا من ناحية تسعيرهم كما حمّل مجلس النواب الأميركي على اتّهامه، إنّما من ناحية سذاجته في قدرته على احتواءغضب مناصريه المغبونين.

أمّا تيري هاستينغز، وهو مقاتلٌ وضابطٌ سابقٌ في الجيش الأميركي ومهندسٌ حاليٌّ في إحدى شركات الدفاع الأميركيّة، وصاحب علاقاتٍ رفيعة المستوى في الشرق الأوسط وأوروبا، لا يخفي رفضه القاطع لشخص الرئيس ترامب ولسياساته. ففي حديثٍ خاصٍّ للديار، يقول السيد هاستينغز إنّ الرئيس ترامب الذي يعاني من اضطرابٍ في الشخصيّة، لطالما غذّى شعبيته عند «الجهلة» من خلال العنصريّة ونظريات المؤامرة وحجّة حماية الدين. ويضيف: ترامب كان يدرك تمامًا ماذا يفعل، إذ توجّه بالحديث إلى جمهوره المعروف سلفًا بجهوزيته وميله للعنف، واستخدم عبارات تشكّل تحريضًا مباشرًا على التمرّد والفتنة، مثل قوله: «يجب أن نظهر القوّة ونستعيد بلادنا وانتخاباتنا التي سرقت منّا».

قد تكون مواقف العمّ جو والسيّد هاستينغز متوقّعةً كلٍّ بحسب ميوله السياسيّة، إلا أنّ المفارقة هنا، أنّ الأستاذة داون ناسر، وهي محاميّة متقاعدة أميركيّة لبنانيّة الأصل، وعلى الرغم من عدم تأييدها للرئيس ترامب ولسياساته، تقول للديار في حديث خاص أنّه عند مراجعتها التقنيّة لنصّ الخطاب الذي اتّهم ترامب بتحريض مناصريه فيه على اقتحام مقرّ الكونغرس، لم تجد تحريضًا على فتنةٍ أو على إثارة شغبٍ كما أشيع، بل إنّ الخطاب بواقع الحال كان فوضويًّا يفتقد للترابط والمضمون الفعليّ، باستثناء التشجيع على التظاهر، والتظاهر حقٌّ مشروع.

كما تلفت الأستاذة ناسر إلى الإستنسابيّة في إطلاق الأحكام، مسلّطة الضوء على ما اعتبرته حملةً مبرمجةً لتشويه صورة الرئيس ترامب، والتي كان من بين المشاركين فيها مشاهير أمثال المغنيّة العالميّة مادونا التي لم تفوّت فرصة للتصويب عليه، ذاهبةً إلى حدّ تصريحها في إحدى المرّات برغبتها بتفجير البيت الأبيض الذي يقبع فيه دونالد ترامب، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا بالقتل تمّ غضّ النظرعنه.

الأستاذة ناسر تشدّد على ضرورة معالجة الأسباب التي أدّت إلى الواقع المتردّي للولايات المتحدة اليوم، بدل التلهّي بالمسرحيّات غير المبرّرة، كإجراءات عزل الرئيس ترامب قبل أيّام من انتهاء ولايته، الأمر الذي رآه العمّ جو محاولةً يائسةً من الديمقراطيين لضمان قطع عودة الرئيس ترامب إلى الحياة السياسيّة،لتشكيله تهديدًا لإمبراطورياتهم الفاسدة، على حدّ تعبيره. أمّا السيّد هاستينغز رأى أنّ عزل الرئيس ترامب ليس بكافٍ، إذ لا بدّ من إيقاف ترامب عند حدّه بشكلٍ يقطع عليه طريق العودة إلى الساحة السياسيّة الأميركيّة بشكلٍ نهائيّ، يعاقبه على كلّ ما اقترفه من فسادٍ وذنوب، ويصحّح مسار العمل السياسيّ الأميركيّ أمام العالم.

تبرئة الرئيس ترامب من تهم التحريض ليست النقطة الوحيدة التي يلتقي حولها العمّ جو والأستاذه ناسرعلى الرغم من اختلافهما سياسيًّا، إذ أنّ كليهما يندّد بقرار تعليق حسابات ترامب الشخصيّة على وسائل التواصل الإجتماعيّ. العمّ جو يقول إنّ هذا العمل المشين الذي اقترفته شركات التكنولوجيا المحتكرة والمشبوهة الأغراض، يشكّل إعتداءً فاضحًا على العالم بأسره، ولا بدّ من إدانته دوليًّا، فمن يستطيع إسكات أقوى رجلٍ في العالم، يستطيع إسكاتنا جميعًا. أمّا الأستاذة ناسر فتناقش عدم صلاحيّة إستخدام منصّات التواصل الإجتماعي للعمل السياسيّ الرسميّ، إذ إنّ هذه المنصّات تعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على العفويّة والإندفاع، ما قد ينعكس تهوّرًا تنتج عنه تبعاتٍ وخيمة في عالم السياسة والشعبويّة، إلّا أنّها مع ذلك ترفض قمع الحريّات، معتبرةً قرار تعليق حسابات الرئيس ترامب خطوةً غير مدروسةً، سرعان ما بدأت إنعكاساتها السلبيّة على مبدأ الحريّات في العالم، كجمهوريّة أوغاندا، التي قرّرت حظر وسائل التواصل الإجتماعيّ قبيل إنتخاباتها الرئاسيّة في الرابع عشر من الشهر الحاليّ.

أمّا السيّد هاستينغز فيشدّد على ضرورة وضع سقفٍ لحريّة التعبير، خاصّة إذا تطوّرت إلى خطاب كراهيّة وإشاعات مغرضة كالتي عادةً ما يعتمدها ترامب، محمّلاً وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الإجتماعيّ مسؤوليّة حماية المستخدمين من الأخبار الكاذبة.

المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركيل وعلى لسان متحدثيها، إعتبرت أنّ حريّة التعبير حقٌّ جوهريٌّ، وأنّ إغلاق حسابات الرئيس الأميركي بشكلٍ نهائيّ يشكّل «إشكاليّة». أمّا وزير الماليّة الفرنسيّ، برونو لو مير، فحذّر من خطورة الأوليغارشيّة الرقميّة. والملفت، أنّ هذا القلق عبّر عنه مؤسّس «تويتر» ورئيسه جاك دورسي نفسه، الذي اعتبر أنّ قرار الحظر كان «الخيار الصحيح» لكنّه مع ذلك، يشكّل «إخفاقًا» ويرسي «سابقة خطرة» بشأن مقدار السلطات التي تتمتّع بها كبريات شركات الإنترنت.

اليوم أمسى الرئيس دونالد ترامب رئيسًا أميركيًّا في الماضي، إلّا أنّ الخطر المحدق الذي يهدّد الحريّات هو خطرٌ حاليٌّ في الحاضر، قد يتحوّل واقعًا لا مفرّ منه في المستقبل. بالشكل تختلف تبعات تظاهرة الكابيتول الشهيرة عن مضمونها، إذ لا بدّ من الإرتقاء من فخّ الإنجرار وراء الإنقسامات والتّعصبات الغرائزيّة التي تطفو على السطح، إلى تصويب مسار هذه القضيّة نحو الإشكاليّة الحقيقيّة هنا، ألا وهي، هشاشة الحريّات المقدّسة.