هل يعلم نجوم الطبقة السياسية أنهم باتوا عراة، عراة حتى العظم، أمام المحافل السياسية، والديبلوماسية، وطبعاً المالية، في العالم؟

سفير لبناني سابق نقل عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية في احدى الدول الأوروبية، وعقب انفجار العنبر رقم 12، قوله «في لبنان، من يبحث عن الحقيقة كمن يتزلج على الجليد في... جهنم»!

الخبراء الدوليون الذين يفدون الى لبنان ربما تأثروا بالجانب الرومانسي في كلام بعض المستشرقين حوله. قلنا «أريكة الله»، قبل أن يفاجأوا بأنهم أمام أريكة الشيطان. أجيال، بالأدمغة المشعة، تتبعثر على أرصفة الدنيا.

ألا نستحق صفة «النازحين اللبنانيين» (يا مفوضية اللاجئين !) ما دمنا نترك أرضنا، ونترك أهلنا، ونترك دقات قلوبنا، بحثاً عن باب آخر نعثر فيه على أنفسنا، ولو بغسل أطباق الآخرين؟

هؤلاء الخبراء الذين تذهلهم الأرقام الضائعة، الوجوه الضائعة، يتساءلون ما اذا كانوا في جمهورية سلفادور دالي، حيث العبث الفوضوي بأشياء الحياة، أم في جمهورية صمويل بيكيت ما دام أولياء أمرنا قد ذهبوا بنا الى أقصى اللامعقول. الى أقصى اللاحقيقة !

كيف يمكن لأي كائن بشري سوي أن يستوعب ما يردده وزراء، ونواب طرابلس، وبلغة الببغاء، حول البؤس والبؤساء في المدينة التي كان يفترض أن تكون احدى لآلئ المتوسط، كما لو أنهم ليسوا شركاء في تحويل الدولة الى أدغال (وتحتاج الى ذلك الطراز من البرابرة)، وكما لو انهم ليسوا رجال الدولة وزبانية الدولة.

أخذنا علماً بانهم يقيمون في كوكب آخر. يتساءلون عن الأصابع التي تتولى ادارة التظاهرات، وادارة الحرائق. حتماً لم يقرأوا كلام الأب بيارعن الجوعى «الذين يحطمون أبواب السماء». كيف لا يحطمون أبواب القصوروقد تحولت الى متاحف لتماثيل الشمع؟

أثرياء المدينة يستحقون الرثاء. خلعوا أقنعتهم، وجوههم، الذهبية، وحاولوا اقناعنا بأنهم لا يختلفون عن أولئك الذين يتسولون في الشوارع. لا نتصور أنهم رأوا ما رأيناه في باب التبانة. عائلات تتكدس في غرف لا تصلح حتى للجرذان. متى لم ينظر أولياء الأمر الى رعاياهم على أنهم الجرذان البشرية؟

هذه دولة اللاحقيقة. ليقولوا لنا أي تحقيق في اي فضيحة، في أي كارثة، انتهى الى حيثما يفترض أن ينتهي. المهزلة حين يهزهم أنين الحجارة في بلدية طرابلس، ولا يعنيهم أنين المخلوقات التي تزحف على بطونها بحثاً عن الفتات. هؤلاء ببطاقات هوية تحمل شعار الجمهورية اللبنانية لا شعار جمهورية الواق واق.

كل هذا لا يحول بيننا وبين الحقيقة الأخرى. أكثر من جهة خارجية تريد من طرابلس أن تكون مسرحاً للصراع، الصراع حول ماذا؟ وماذا يجدي، تكتيكيا أو استراتيجياً، أن تقتل الهياكل العظمية بعضها البعض؟

حتى ذلك المعارض السوري «البارز»، و«القذر» كمال اللبواني، الذي استغاث بدبابات «الشقيقة اسرائيل»، لاعادة البهاء الى ضريح صلاح الدين، رأى في لبنان دولة في المزاد العلني. «من يشتري هذه الخردة؟».

هو الذي سأل، بعد حريق المنية البعيد كلياً عن أخلاقية أهل المدينة، لماذا يسمح لللاجئين الفلسطينيين بأن يمتلكوا السلاح للدفاع عن أنفسهم (الدفاع في وجه من؟)، ولا يسمح للنازحين السوريين؟ هذا لكي يحترق لبنان، كما احترقت سوريا. الحلم الذي يجول في رؤوس حاخامات الهيكل منذ أن دعاهم زئيف جابوتنسكي الى «أن نزفّ اسرائيل الكبرى عروساً ليهوه».

العراة في الدولة العارية. بالغطرسة التوراتية اياها وصف الجنرال يوئيل سترايك، وكان قائد الجبهة الشمالية، لبنان بالـ «الدولة الغانية». لن نردد ما قاله في رجال الدولة الذين عيونهم وآذانهم مقفلة.

هل صحيح ما يشاع في بعض الأوساط الديبلوماسية من أن ماكرون طرح على بايدن فكرة حكومة عسكرية؟

الألماني غانتر غراس، الحائز جائزة نوبل في الاداب، قامت عليه الدنيا حين تحدث عن اخفاء اسرائيل قنبلتها النووية. قال «دولة اللاحقيقة دولة العار». ماذا كان يمكن أن يقول في دولتنا؟ في... لادولتنا؟؟