محاولة للابتعاد عن يوميات اليأس، ويوميات الفساد، ويوميات القاع. كلام في اللواء عباس ابراهيم، بالمناقبية الاستثنائية، وبالأداء الاستثنائي، وبالصدقية الاستثنائية التي تمتد الى اقاصي الدنيا ...

هو الذي، كرجل دولة بالمعنى الحقيقي لرجل الدولة، يفاوض في الأمن، وفي الاقتصاد، وفي الديبلوماسية، وحتى في الاستراتيجيا. ما علينا الا أن نتمنى أن يفاوض الله للحد من جنون ملك الموت، بوجهه القميء، وهو الذي بمنجله يقطع عنا حتى الهواء.

كفانا ثرثرة على الشاشات، وكفانا بهلوانيات، وكفانا دونكيشوتيات، في ادارة الصراع ضد الكورونا. هنا نتوقف عند فراس الأبيض وجورج كتانة، على الخط الأمامي للحد من الايقاع الكارثي للوباء. كلنا في الدائرة الحمراء باستثناء أصحاب القامات المقدسة الذين لا تقترب منهم الجائحة، ربما لا مكان لهم في العالم الاخر بعدما فعلوا ما فعلوه بذلك الحطام الذي يدعى لبنان ...

لأن اللواء ابراهيم، بأدائه البعيد عن لوثة الضوء ولوثة الضوضاء، يستحق أن يكون «رجل لبنان»، بل و«رجل اللبنانيين» الذين فقدوا أي أمل في الخلاص من عتمة الأقبية، وعتمة القصور. أنصاف الآلهة الذين باتوا في نظر الأكثرية ... أنصاف الأبالسة !

الرجل الذي يعلم كيف يتعامل الساسة الموتى، ساسة حارة «كل مين ايدو الو»، مع المفترق التاريخي الذي يدق أبوابنا. المؤسسة اليهودية، بامكانياتها الأخطبوطية، لطالما وضعت في رأس أولوياتها تصفية الظاهرة اللبنانية كونها تمثّل الخطر الأكبر ليس على الأمن الاستراتيجي فحسب وانما على الأمن الوجودي أيضاً لاسرائيل التي لم تتوقف، يوماً، عن سياساتها الاسبارطية.

في غياب أي حالة، الحالة العربية (العرب عالّة لا حالة). كل رؤية لمستقبل المنطقة لا بد أن تأخذ بالاعتبار أين ينتهي الخط الساخن بين واشنطن وطهران.

الأميركيون يريدون التقدم خطوة نحو ايران تستتبع، بالضرورة، خطوات كبرى. الايرانيون يريدون التقدم خطوة نحو أميركا تستتبع، بالضرورة، خطوات كبرى. المشكلة من يقوم بالخطوة الأولى. ظريف قال بالتزامن، أو بأي عملية تنسيقية أخرى، وبأن يضطلع الأوروبيون، بما أوتوا من ارث ديبلوماسي، بدور الوسيط.

بادىء بدء تبديد الضباب الذي احدثته السنوات الأربع المنصرمة. ما بعد الضباب، وكما يتوقع ريتشارد هاس، حقبة أخرى في الشرق الأوسط. هذا ما يثير القلق لدى الصقور في اسرائيل الذين ظنوا انهم على قاب قوسين أو أدنى من بلوغ وعد يهوه باسرائيل الكبرى، بالحمولة الايديولوجية، وبالحمولة التكنولوجية، بعدما تغير المفهوم الكلاسيكي للأمبراطوريات.

هذا لا يمنعنا من طرح السؤال ـ اللغز الذي، في رأينا، يثير حتى حيرة آيات الله : لماذا معلومات الموساد حول البرنامج النووي، وقد أحيط بأكثر من ستار حديدي، أكثر دقة من معلومات وكالة الاستخبارات المركزية، وحتى من معلومات البنتاغون، بالامكانات التي تلامس الخيال.

بطبيعة الحال دون التخلي عن قناعتنا بأن اسرائيل التي طالما احترفت سياسات التضليل، تعرف أكثر مما نتصور عن خفايا المنطقة، وربما أبعد من المنطقة.

ثمة من يلاحظ أن الموساد الذي تمكن من الوصول الى أرشيف البرنامج الايراني، والتعرف على الشخصية الفذة لمحسن فخري زادة، ومن ثم اغتياله، بمنتهى الحرفية، وهو الذي كان يتنقل كما الشبح، لم يتمكن حتى من معرفة أي شيء، أي شيء قطعاً، عن الترسانة الصاروخية لـ «حزب الله» !

كلبنانيين أبتلينا بتلك الطبقة الرثة، كل ما نستطيع فعله هو الانتظار (في الثلاجة أم في المقبرة ؟)، كما لو أن محمد الماغوط قال فينا بالذات «ندخل الى القرن الحادي والعشرين كما تدخل ذبابة الى غرفة الملك».

الفنان رفيق شرف قال «هم النحاسون، ونحن الأواني المطروقة». ماذا عن القول الأميركي «Dead man walking» ؟ نحن الذين نمشي كما الموتى ...

اللواء عباس ابراهيم، من فضلك ... فاوض الله لكي نبقى أو لكي لا نبقى !!