ليس من أجل حزب الله بل من أجل لبنان. رهاننا على الأجهزة الأمنية أن تضع يدها على القتلة. اغتيال رجل من أجل كلمة، أو من أجل موقف، اغتيال للانسان الذي فينا، وللعقل الذي فينا، وللقيم التي فينا...

حتى ولو كان الدافع علاقته بالسفارة الأميركية، ما دمنا نعلم أن غالبية آلهة، أو أنصاف آلهة، الشرق الأوسط يدارون بالعصا، لا بالاصبع، الأميركية.

ما حدث بمثابة السكين في خاصرة الحزب (الخاصرة الجنوبية)، ليبقى السؤال: من استدرجه للذهاب الى هناك، ومن حدد ساعة عودته وحيداً ليلاً، ومن تواطأ مع القتلة وهو الذي يعلم أن ثمة من ضاق ذرعاً بالطريقة التي يستخدمها في مقاربته للمسائل السياسية الحساسة والتي لا تعكس ثقافة رجل درس الفلسفة في السوربون، وتتلمذ على أيدي أساتذة بعضهم لا تزال آثار مقاومتهم للاحتلال النازي ماثلة في أرجاء لغتهم، وفي أرجاء جسدهم؟

هذا ليس، في أي حال، دفاعاً عن القتلة، لكنه وقت الحقيقة لا وقت الرؤوس العفنة التي تقتات من بقايا الدم. من لا يدري أن مئات آلاف الجنوبيين عانوا ما لا تعانيه الجبال من البربرية الاسرائيلية. هؤلاء ينظرون بقداسة الى من هم تحت التراب، فوق التراب، الذين أرغموا حتى الدبابات على البكاء.

اذا زرتم معتقل الخيام، للاحظتم ما اذا كان هناك احتلال في التاريخ أكثر عتوا من عتو زبانية الهيكل...

هذا مع يقيننا بأن سيناريو الاغتيال أعدّ في مكان أخر، ولغرض آخر. وحتى اذا ما قصد لقمان سليم الجنوب للبحث في تشكيل خلايا، أو جماعات، تناهض حزب الله و«تنتفض» وفقاً لتوقيت محدد، من يتصور أن ثمة أثراً لتلك الخلايا على فاعلية الحزب، وعلى قاعدةالحزب، وعلى استراتيجية الحزب؟

من البديهي أن نتساءل لماذا انتظر الحزب أكثر من ربع قرن لاغتياله، وهو الذي بلغت مواقفه ضد الحزب حدود الفظاعة، وعلى غرار الكثيرين من ساسة البلد. اللغة التي لا يستخدمها حتى بنيامين نتنياهو، وحتى آفيف كوخافي، وحتى يوسي كوهين.

اولئك الكثيرون الذين ندرك تماماً طبيعة هواجسهم، ومدى النرجسية التي تتحكم بمواقفهم، ناهيك عن الشبق المكيافيلي الى الكراسي، وعبر خيوط الكراهية، كما عبر خيوط التبعية.

وحتى اذا ما أراد الحزب التخلص منه، وهذا لم يكن وارداً في حال من الأحوال، لماذا الجنوب، وحيث القاصي والداني يعلم مدى حضور الحزب هناك؟ الحضور السياسي والحضور الأمني. ألم يكن بالامكان تنفيذ عملية الاغتيال في أي مكان آخر، وفي أي وقت آخر؟

ولماذا لا نقول، بالصوت العالي، ان التقارير التي وصلت الى بعض الأجهزة حذرت من احتمال قيام الموساد بعمليات اغتيال حساسة لتفجير الفتنة في لبنان، في هذه الظروف الضائعة، وحيث يفترض بالتشكيلة الحكومية أن تمر بين أسنان بقايا دونالد ترامب في المنطقة؟

على نحو أوركسترالي خرجت الرؤوس اياها، لكأنها رؤوس الميدوزا، من الكهوف لتوجه الأصابع، كل الأصابع، الى حزب الله، وهم الذين يعلمون أن الشرط «الاسرائيلي» لعودة الولايات المتحدة الى اتفاق فيينا هو رأس حزب الله لأن القنبلة النووية هي للمستودعات لا للساحات، ولأن الصواريخ الايرانية يمكن أن تبقى «تحت اللحاف» الى الأبد.

استنفار داخل المؤسسة اليهودية والى حد طرح هذا السؤال الذي لم يأخذ بالاعتبار مدى تداخل الهواء، وحتى التداخل الجغرافي، بين لبنان وفلسطين: «ماذا اذا أصبحت القنبلة النووية بين يدي حسن نصرالله؟».

العنوان الرئيسي للسياسة، كما للاستراتيجية، «الاسرائيلية»: حزب الله. لا عودة الى الاتفاق الا بخروج حزب الله من لبنان وسوريا. كيف؟ الضغط في أميركا، وفي فرنسا، وفي بريطانيا، وفي المانيا، والى حد قول برنار ـ هنري ليفي لايمانويل ماكرون: هل تريد أن تكون رجل الهولوكوست الآخر؟

تصوروا وسط هذه الحرب الهائلة ضد الحزب أن يقتل لقمان سليم. لمصلحة من يقتله...؟!