بعد أن طالب الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في فترة سابقة باعتماد الحياد الإيجابي لتجنيب لبنان تداعيات صراعات دول المنطقة عليه، ولم يلقَ طرحه آذاناً صاغية، بادر الى محاولة عقد لقاء «مصالحة ومصارحة» بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري لتقريب وجهات النظر بين الرجلين وتسهيل تشكيل الحكومة، لكن لم يتمّ التجاوب مع مبادرته هذه أيضاً. فعاد وجدّد الأحد الفائت في عيد القديس مارون، شفيع الطائفة المارونية، دعوته الى عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان، طالباً من الأمم المتحدة المساعدة في إنقاذ الدولة اللبنانية، إذ سبق وأنّ طالبها باحتضان مسعاه من أجل تحقيق الحياد الناشط منذ أشهر سيما أنّ المسؤولين يعملون على «تطيير الحلول الداخلية»، على ما قال، ما يدفعنا الى التطلّع نحو منظّمة الأمم المتحدة للمساعدة على إنقاذ لبنان. والجديد في هذا النداء أنّه تزامن مع الموقف الأخير للبابا فرنسيس عن لبنان الذي تمنّى خلاله «تجديد الإلتزام السياسي الوطني والدولي من أجل تعزيز استقرار لبنان الذي يمرّ بأزمة داخلية والمعرّض لفقدان هويّته ولمزيد من التورّط في التوتّرات الإقليمية».

مصادر سياسية مطّلعة أكّدت أنّ نداء البطريرك الراعي لم يُطلقة للمرة الأولى بل يأتي في المسار نفسه الذي يدعو إليه منذ أكثر من عام. ويُطالب اليوم بتدويل الأزمة اللبنانية بهدف عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان يوقف الإنهيار فيه ويُجنّبه الوصول الى السقوط الشامل الذي سيؤدّي حتماً الى «فرط البلد» على المستويات كافة. وهذا الأمر سيؤثّر في اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، ما يجعل البلد يفرغ من أبنائه، وهنا الخطورة الكبرى. وأكثر ما يخشاه الراعي هو حصول التسوية الأميركية- الإيرانية التي يُحكى عنها مع وصول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الى البيت الأبيض، وأن تأتي بالتالي على حساب لبنان. ولهذا يدعو منذ الآن الى البحث في الأزمة اللبنانية وإيجاد الحلول لها بعيداً عن نتائج التسويات الدولية والإقليمية المنتظرة، معوّلاً بذلك على منظمة دولية.

وأوضحت أنّ الراعي يجد أنّ الأمم المتحدة التي تضمّ كلّ دول العالم ستكون أحرص على مصلحة لبنان ووحدة كيانه وتوفير ضمانات دائمة للوجود اللبناني تمنع التعدّي عليه والمسّ بشرعيته، أكثر من أي دولة أخرى تدّعي أنّها تهتم بمصلحة لبنان واللبنانيين. ولم يكن ليلجأ الى الأمم المتحدة، لو وجد أنّ المسؤولين يتجاوبون مع دعواته المتكرّرة، والمستمدّة من معاناة الشعب من الأزمات المالية والإقتصادية والمعيشية والإجتماعية والصحيّة، ويتحمّلون مسؤولية إيجاد الحلول لها. كما أنّ الراعي قد لمس خلال محاولاته الأخيرة أنّ المسؤولين يُواصلون تفضيل مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن، ما يؤكّد أنّهم غير مهتمّين فيما لو سقط البلد بسبب عدم قيامهم بمسؤولياتهم. وهذا الأمر لا يُمكن السكوت عنه، ولهذا حاول مراراً وتحدّث عن أنّ مبادراته لن تتوقّف بل ستستمر حتى وصولها الى النهاية المرجوّة.

وفي الوقت نفسه، ذكرت المصادر أنّ طرح البطريرك الراعي الأخير سيصل بالطبع الى مسامع الأمم المتحدة عبر ممثليها وسفراء دول الخارج في لبنان. وإذا كانت هناك نيّة فعلية للتدخّل لإنقاذ لبنان، في حال استمرّ الوضع على ما هو عليه من مراوحة المكان، فإنّ طلب عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان سيمرّ عندئذ بالأطر الديبلوماسية أو بأي آلية أخرى ليصبح حقيقة واقعة.

غير أنّ المبادرة الفرنسية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، كما من الدول الأوروبية، يُمكن اعتبارها «تدخّلاً خارجياً» يهدف في جزء منه الى انقاذ الوضع الداخلي، كما قالت، وإن كان لكلّ دولة مصالحها الشخصية في لبنان والمنطقة. فإذا سلكت طريقها الى تنفيذ خارطة الطريق وتحقيق الإصلاحات المطلوبة فقد تتوقّف الحاجة الى عقد المؤتمر الدولي. أمّا تأرجح هذه المبادرة بين البقاء والموت هو الذي يجعل عدم الثقة ببلوغها الهدف المنشود ألا وهو إنقاذ البلاد قبل السقوط التام، فيجعل البعض ومنهم الراعي يقوم بتقديم طروحات جديدة.

أمّا مطالبة الراعي بوضع حدّ لتعدّدية السلاح، فيرى العارفون أنّها لا تعني «حزب الله» فقط، سيما أنّ الحزب قد وافق على مناقشة الاستراتيجية الدفاعية، إنّما كلّ سلاح داخلي غير شرعي ومتفلّت يُهدّد وجود البلد. ومن هنا، فإنّ حصر السلاح في يدّ الجيش اللبناني دون سواه على الأراضي اللبنانية، يتطلّب «السماح» له من قبل دول الخارج التي تحمي «أمن إسرائيل» بامتلاك الأسلحة الأكثر تطوّراً، أو بتزويده بها لا سيما الصواريخ بعيدة المدى.

ومن هنا، يؤكّدون أنّ تحرير الأراضي اللبنانية الجنوبية قد حصل بفضل المقاومة المتمثّلة بـ «حزب الله»، تبقى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر التي لا بدّ للقوّات الإسرائيلية من الإنسحاب منها تطبيقاً للقرارات الدولية ذات الصلة. ومن المهمّ التشديد على أنّه لولا وجود المقاومة لما كان العدو الإسرائيلي اليوم يُفاوض بطريقة غير مباشرة، برعاية الأمم المتحدة وبوساطة أميركية على ترسيم الحدود البحرية، لأنّه يخشاها، وإلاّ لكان استولى على النفط والغاز في المنطقة الخالصة الإقتصادية منذ زمن ومن دون أي خوف من أحد. ولهذا يتمسّك البعض في الداخل بسلاح المقاومة، الى حين تمكّن الجيش من الحصول على الأسلحة المتطوّرة المناسبة لردع الإعتداءات على السيادة اللبنانية.