«إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُوم، فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ»، هكذا هنّأت وكالة الفضاء الأميركيّة «ناسا» دولة الإمارات ببيت شعرٍ للطيّب المتنبي على نجاح مهمّة «مسبار الأمل» بالوصول إلى المرّيخ. هو إنجازٌ عربيّ بتوقيع إماراتيّ لدولةٍ استحقّت بجدارةٍ لقب «دولة اللامستحيل»، استقبله اللبنانيون بغصّة، كيف لا، وهم في ستّينات القرن الماضي، حين كانت تتنافس الولايات المتّحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي على سيادة الفضاء، شكّلوا عبر «نادي الصواريخ اللّبنانيّة» خرقًا بتطوير الصاروخين أرز-3 وأرز-4 القادرين على الوصول إلى أطراف الفضاء. سبعة أشهر تقريبًا استغرقت مسبار الأمل بدعم قادة الإمارات للوصول إلى المرّيخ منذ تاريخ إطلاقه من الأرض في حزيران العام الماضي ، أما نحن في لبنان فقد مضت حوالى خمسة أشهر منذ التكليف بتشكيل الحكومة العتيدة في تشرين الأول من العام الماضي، إلا أنّنا ما زلنا نراوح مكاننا، أي أنّ الوصول إلى المرّيخ حرفيًّا أثبت أنّة ممكن أكثر من تخطّي مصالح ومحاصصات «قادتنا».

في هذا السياق يؤكد النائب المستقيل ورئيس اللجنة الوطنيّة للاقتصاد والتجارة والصناعة والتخطيط الأستاذ نعمة إفرام، في حديثٍ خاص للدّيار، أنّ ما ينقصنا في لبنان هو قيادة رشيدة مصمّمة على تحقيق سعادة المواطن اللّبناني وتطوّره إنطلاقًا من مجالي العلم والإحتراف، إنّما مع الأسف هذه ليست الأولويّات في لبنان اليوم الذي تسيطر عليه المحاصصة والأنانيّة. ويضيف الأستاذ إفرام أنّ الوضع السائد لا يشبه الشعب اللبنانيّ بتاتًا، الأمر الذي خلق هوّة كبيرة بين لبنان المواطنين ولبنان الدولة، هذة الهوّة التي ترجمت بمطالب التغيير التي نعيشها اليوم، إنطلاقًا من قناعة اللبنانيّين بقدرتهم على صناعة واقع يشبههم أفضل بكثير من الذي يعيشونه، هو أقرب إلى لبنان الخمسينات والستّينات حين كان منارةً للعلم والتطوّر.

وبالعودة إلى أمجاد لبنان الستّينات يستذكر الأستاذ إفرام شغف صديقه المرحوم السيّد جو صفير، وهو أحد مطوّري ومسؤولي مشاريع «نادي الصواريخ اللبنانيّة»، حين كان يخبره عن إنجازاتهم العلميّة خلال تلك الحقبة الذهبيّة. ويلفت الأستاذ إفرام إلى أنّ المنصّة التي تمّ استخدامها في ذلك الوقت لإطلاق الصاروخ من منطقة نهر الكلب لا تزال موجودة حتى يومنا هذا في حديقة منزل السيّد صفير. ويروي الأستاذ إفرام كيف استدعى الرئيس فؤاد شهاب وقتذاك شباب «نادي الصواريخ اللبنانيّة»، حين قال لهم: «يا ولادي بدّي هنّيكن، بس ما تواخذوني، مجبورين نوقّف هالمشاريع لأنّا هدّدت أمن المنطقة».

يؤكد الأستاذ إفرام أنّ لا سبب لوجود للبنان من دون علمٍ وتطوّرٍ واحتراف، مميّزًا بين مستقبلين حتميين: إمّا يلتحق لبنان بالثورة العلميّة القادمة، المعروفة بالSingularity ، والناتجة من تزاوج المجالات العلميّة المختلفة كالذكاء الإصطناعي وتكنولوجيا النانو والعلاجات الجينيّة، وإمّا يكون مصيره هجرة الأدمغة وواقع العصورالمظلمة الغارقة بمسائل رجعيّة. ويعبّر الأستاذ إفرام عن خوفه من جرف لبنان إلى «عالم أسود»، مشدّدًا على ضرورة الإيمان بلبنان العلم والاحتراف والتطوّر والمحاربة من أجله.

هذان المستقبلان الحتميان يعبّر عنهما أيضًا الأستاذ مارك أبو زيد، وهو مدرّسٌ حاصلٌ على ماجيستير في علوم الفيزياء الفلكيّة وعضو مؤسّس في جمعية «كَون وسما» الهادفة إلى الترويج لعلم الفلك في لبنان، حيث يروي تفاصيل نقاش حصل بينه وبين علماء في الفيزياء الفلكيّة في فرنسا وأميركا من «الناسا» حول المستقبل الذي قد يحتّم على البشريّة أن تترك كوكب الأرض باحثةً عن الحياة والديمومة على كوكبٍ آخر، حيث قد تضطر الشعوب التي استثمرت في علم الفضاء والهندسة الفضائيّة والمناهج العلميّة إلى ترك الشعوب الأخرى التي لم تستثمر أسوةً بها، لأنّها كانت متلهيّة بحروب ومشاكل وتفاصيل أخرى. لذلك يشدّد الأستاذ أبو زيد على ضرورة أن يتموضع لبنان مجددًا على خارطة الإنجازات العلميّة العالميّة، على الأقلّ من ناحية تطوير المناهج العلميّة أو فتح مراكز فضاء تستقبل الزّوار بهدف التوعية العلميّة، إنطلاقًا من إنجازات وخبرات «نادي الصواريخ اللبنانيّة» المتقدّمة.

يؤكد الأستاذ أبو زيد أنّه لا دعم ولا تمويل ولا استثمارات من قبل الدولة اللبنانيّة لأيّ مشاريع مشابهة، عكس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة التي قدمت الدعم لأكثر من 200 شابة وشاب عملوا على مشروع مسبار الأمل، لا يتخطّى معدّل أعمارهم ال 27 سنة، قائلا إنّه لأمرٍ محزن، خاصةً أنّ اللبنانيين يملكون المؤهلات لتحقيق هكذا إنجازات، إلا أنّ هؤلاء العلماء والمفكرين اللبنانيين تبقى مبادراتهم فرديّة، والسعي المتواصل الذي لا يلقى دعمًا أو حماسًا من قبل الدولة يجهد صاحبه، لافتًا إلى أن كلّ هذه الطاقات تجد الفرص التي تحتاجها وأكثر في دول الخارج.

في الختام لا يسعنا سوى القول هنيئًا لك يا إمارات، يا أيّتها الدولة الشابّة التي لم يتخطّ عمرها الخمسين سنة إنجازك التاريخي. مبروكٌ عليكِ ونرجو أن تسامحي غصّتنا هذه، طالبين أن تلتمسي اعتذارنا على تحسّرنا، فنحن في دولة لبنان الكبير المئويّة، لا نملك وطنيّة وحكمة قادتك وشعبك العظيمين. قادتك وشعبك يا إمارات أوصلوكي إلى المرّيخ، أمّا قادتنا وشعبنا في لبنان فأوصلونا إلى ما دون القعر. فعلا صدق الحديث القائل: «كما تكونون يولّى عليكم