هل صحيح ما يتردد وراء الضوء حول خلاف (في الرؤية) بين فرنسا والفاتيكان حول لبنان ؟

الفاتيكان يرى أن الفديرالية هي الخلاص بعدما تآكلت كل ديناميات الجمهورية الثانية . الاليزيه يعتقد أن في الفديرالية موت للبنان، ما دامت البنية الفلسفية لهذا البلد تقوم على التفاعل الخلاق بين المكونات كافة.

بلهجة طوباوية (وهو يعتبرها بمنتهى الواقعية)، قال المونسنيور كميل مبارك، الأكاديمي المعروف، ان الخيار الوحيد لبقاء لبنان هو الخيار الفديرالي . كيف؟ اقامة 12 كانتوناً مذهبياً (وليس فقط طائفياً) ، ليكون لبنان النموذج الفذ لسائر دول المنطقة.

لا داعي للعمليات الجراحية التي تمهد ، جغرافياً وديموغرافياً ، للوصول الى ذلك . التفاهم بين القوى الأساسية التي ارتطمت جميعها بلحظة الخواء، وهي لحظة الخراب، يمكن أن يحقق تلك المعجزة دون نقطة دم.

الفرنسيون يعتقدون أن الفديرالية تعني أن يأكل المسيحيون المسيحيين، وأن يأكل المسلمون المسلمين. يرون أن لبنان ضحية التقاطع بين «جنون التاريخ وجنون الايديولوجيا» في المنطقة، ودون أن تفضي الحرب الأهلية الى بلورة مفهوم للدولة عابر للطوائف.

في لحظة ما، فكّر الجنرال غورو ، وهو من أعلن قيام دولة لبنان الكبير، بأن بقاء هذه الدولة يكاد يكون مستحيلاً كونها تنطوي على ترسبات طائفية، وسياسية، قابلة للتعثر، وربما للتفكك، عند أي هزة...

نستذكر أنه عندما عيًن جورج كليمنصو، بطل المارن، مفوضاً سامياً في لبنان ، جاء في قرار التعيين «أن مهمتكم. احداث مركز اشعاع لفرنسا على الواجهة الشرقية للمتوسط . انها مهمة كبيرة، وجميلة، نعهد بها اليكم».

ولعل الجنرال ، وتبعاً لما أورده ابن شقيقه فيليب غورو، في كتابه عام 1993، والذي استند فيه الى الأوراق التي تركها عمه ، استعاد خطاب جورج بيكو، وزير الخارجية الفرنسي، وأحد قطبي اتفاقية سايكس بيكو ، في الاسكندرية عام 1916، والذي طرح فيه مشروع اتحاد فدديرالي في سوريا الكبرى دون أي ذكر للبنان الذي كان ينظر اليه على أنه سلسلة من الجبال التي تفتقد المقومات الكلاسيكية للدولة.

بعد الاعلان عن انشاء ثلاث دول في سوريا ، القى غورو كلمة في دمشق قال فيها انه في صدد انشاء فديرالية بين هذه الدويلات ينضم اليها لبنان في وقت لاحق.

هذه العبارة صالت ، وجالت ، في رأس البطريرك الياس الحويك الى أن دعا غورو الى حفل عشاء في الديمان في أول ايلول عام 1921 ، متوجهاً اليه بالكلام «ينبغي ألا يأخذك الوهم بعيداً ، حضرة الجنرال ، اذ أننا متمسكون ، فوق كل اعتبار ، باستقلالنا الذي مارسناه عبر الأجيال ، واذا ما جرى المس في حفنة من تراب لبنان ، سأشعل ثورة في البلاد خلال 24 ساعة» .

غورو عقّب بالقول «لقد أردتم أن تسدوا اليّ نصائح جيدة تنطوي على بعض الشك ، كما لو أن استقلال لبنان مهدد . وأنا في المقام البطريركي الذي نعتبره بيت فرنسا . انا الذي أعلن دولة لبنان الكبير ، وانا الذي ضمنت لكم الاستقلال والحدود ، بالرغم من ذلك تهددوني بالثورة» !

وأوضح أنه في خطابه الدمشقي نصح فيه «الدول الداخلية» باقامة فديرالية في ما بينها، ينضم اليها لبنان الكبير كيفما شاء ، وفي اليوم الذي يحلو له ذلك» .

الفرنسيون الذين يخشون أن تتحول الكانتونات الى معسكرات للدم ، يخشون أيضاً أن يكون عالقاً في ذاكرة البعض سيناريو جاريد كوشنر الذي يعتبر أن لبنان وسوريا دولتان ساقطتان ، ما يفترض استحداث دويلات بالتداخل العضوي بين خريطتي لبنان وسوريا ، أي امكانية أن يتكون الكانتون من أجزاء لبنانية وأخرى سورية.

هذا في الجزء الثاني ، أو الجزء الخفي ، من «صفقة القرن» التي كان دونالد ترامب يود تنفيذها بعد الوصول بلبنان وسوريا الى الدمار الاقتصادي ، والدمار المالي ، ناهيك بالدمار السوسيو ـ سياسي . ماذا بعدما سقط ، هو وكوشنر، بالضربة القاضية ؟

كوشنر زال من المشهد الأميركي بعدما ضرب المبادرة الفرنسية في الظهر . ألا يقول واقع الحال أن لبنان بحاجة الى مبادرة فرنسية ـ أميركية ـ سعودية ـ أميركية ؟

لعلنا نزيد في تعقيد الوضع أكثر مما ينبغي...