تتميز أعالي جبال لبنان بأنها وجهة مميزة لعشاق ومحترفي التزلج باعتباره الدولة العربية الوحيدة التي يمكن فيها ممارسة التزلج وغيره من الرياضات الشتوية. ورغم سواد الايام التي يعيشها لبنان واللبنانيون كافةً عاد الثلج ليطلّ بردائه الأبيض الناصع ويغطي، ليس القمم ومراكز التزلج فحسب بل القرى الجبلية العالية والمتوسطة ويحوّلها لوحة رائعة يخفف بياضها ما يعيشه لبنان من أيام سوداوية مالياً واقتصادياً وصحياً. لكن الثلج على روعته يبدو وكأنه أتى في وقت غير مناسب، خلال عملية إقفال صارمة مع حظر التجول الكلي في محاولة لكبح تفشي المرض.

فأطل موسم الثلج والتزلج هذا العام في ظل الإقفال التام الصارم المترافق مع اشتداد حدة جائحة كورونا وحصْدها عدداً كبيراً من الضحايا يومياً، وهو لم يؤد كما كان مأمولاً الى تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية في المناطق الجبلية ولم ينعش الحركة السياحية في لبنان التي تعاني ركوداً قاتلاً، بل إن محطات التزلج كما كل القطاعات السياحية في المناطق الجبلية عانت خسائر كبيرة نتيجة تأخر الموسم وازدادت فداحتها مع الإقفال العام. والتزاماً بإجراءات الإغلاق أقفلت متاجر معدات التزلج والمطاعم والمقاهي التي كانت اعتادت زحمة محبي هواية التزلج من سياح ومواطنين ينتطرون في طوابير تأمين المقاعد للاستمتاع بالطعام اللبناني التقليدي. وبالتالي رأينا محطات التزلج مقفلة، المصاعد متوقفة والمنحدرات مقفرة من الرواد.

طويلاً انتظر اللبنانيون مجيء الثلج هذا العام ليلوّن رمادية أيامهم وسودوية نفوسهم بالأبيض وليمنحهم فسحةً من الفرح ونفحةً من الأوكسجين هم بأمسّ الحاجة إليها. لكن الثلج تأخر جداً هذا الشتاء، وفيما كان يفترض أن يحلّ ضيفاً مكرّماً كعادته في أوائل كانون الاول، غاب وأطال الغياب ولم يفرش بياضه إلا في أواسط كانون الثاني مخلّفاً وراءه شهراً كاملاً من الجفاف والسخونة غير المسبوقين، وتاركاً موسم التزلج يتيماً يعاني مدرّجات فارغة خالية كلياً من الرواد وبعيدة عن أي حركة سياحية واقتصادية.

فالمغتربون اللبنانيون الذين كان يُعوَّل على عودتهم إلى بلدهم في موسم الأعياد لتنشيط الحركة السياحية لا سيما في المناطق الجبلية، أمضوا عطلتهم وغادروا بيروت قبل أن يتمكنوا من الاستمتاع بموسم الثلج والتزلج. أما السواح العرب والأجانب الذين كانوا يقصدون لبنان بأعداد كبيرة للتمتع بهذا الموسم، فقد منعت ظروف جائحة كورونا مجيئهم أو حدّت كثيراً من أعدادهم. ولم يسعف تأخر الثلج في الاستفادة من وجود مَن قصد منهم «بلاد الأرز» لإحياء المناطق الجبلية ومراكز التزلج التي تتوزع ما بين الأرز وفاريا، وعيون السيمان، واللقلوق وفقرا وقناة باكيش والزعرور.

تأخُّر موسم الثلج والأمطار ليس بالأمر المستغرب كلياً فقد سبق أن شهد لبنان في أعوام سابقة تأخراً مماثلاً. وشهدت سنوات عدة على بدء الموسم في النصف الثاني من كانون الثاني؛ فالعوامل المناخية أمر لا يمكن التحكم به أو بنتائجه، لكن حين تترافق مع أزمة صحية واقتصادية خانقة عندها يصبح تأثيرها أشد قسوة وانعكاساتها تطال حياة اللبنانيين. فخسائر هذه السنة تتراكم مع خسائر السنة الماضية من الموسم نفسه. ففي السنة الماضية، كانت الأوضاع الأمنية غير مستقرة في البلاد، وأيضاً ترافقت مع إغلاق عام فُرض في منتصف موسم التزلج تقريباً.

وفي حين يخيّم السكون على منحدرات التزلج في لبنان ويعاني العاملين في الأعمال المرتبطة بالتزلج من غياب أي نشاط في هذا القطاع. يتفق أصحاب الفنادق في المناطق المعتمِدة على حركة السياحة الشتوية على أن موسم التزلج الحالي يعد سيئاً للغاية بالنسبة للفنادق والشاليهات والمطاعم وجميع الشركات التي تعمل في مجال تأجير معدات التزلج للسياح والزوار في ظل غياب السياح والمواطنين الذين يزورون المنطقة كل عام للتزلج والترفيه كما نقلوا «للديار»، خاصةً وأن الشتاء وصل متأخرا إلى لبنان هذا العام، لكن في غضون ذلك، اعتمدت السلطات اللبنانية إغلاقاً تاماً للبلاد مؤكدين ان الفنادق والشركات لم تتمكن من توليد أي دخل خلال هذا الموسم حتى الآن.

هذا واشاروا الى انه عادةً خلال هذا الموسم تنتعش الحركة الاقتصادية لمناطق السياحة الشتوية، خصوصاً مع نشاط محطات التزلج، إلا أنه مع إقفال هذه المحطات، باتت حركة الفنادق معدومة. والأمر يقتصر على الشاليهات التي امتلأت تقريباً، فهي غير كافية لتحريك العجلة الاقتصادية، كون روادها ليسوا بسواح ولا يقومون بأي نشاط سياحي. وأضافوا الى أن عدد كبير جداً من الشباب كانوا يعملون موسمياً كمدربين على رياضة التزلج، وينتظرون هذا الموسم لتأمين دخل إضافي يتيح لهم تسديد أقساطهم الجامعية... هم الآن بلا عمل.

ولكن تبقى الخسائر المادية سطحية وصغيرة امام خسارة الأرواح، فالوقت اليوم هو للتضامن مع ضحايا كورونا واحترام المصابين الذين يعانون من الفيروس وحضّ الناس على التزام بيوتهم تجنباً لتفاقم الوضع الصحي. فالأولوية اليوم ليست لميزان الربح والخسارة، بل إن الأولوية المطلقة هي صحة المواطن. خاصةً وأن لبنان ما زال يعاني تداعيات التفلّت الذي حصل في موسم الأعياد ولذا لا يمكن بأي حال وتحت أيّ ذريعة اقتصادية أو حياتية جعل الناس يتوافدون بأعداد كبيرة إلى مراكز التزلج. ومن المعيب الطلب إلى أي مرجعية مسؤولة العمل على التخفيف من إجراءات الإقفال والتعبئة في ظل ما يشهده البلد من أعداد مخيفة للمصابين وارتفاع موجع في أعداد الضحايا.

فلا شك أن الخسائر الاقتصادية كبيرة جداً في محطات التزلج والفنادق ومحلات الأدوات الرياضية وكل المرافق التجارية والسياحية، لكن لا يمكن مقارنتها بالخسائر في الأرواح التي يمكن ان تطرأ في حال لم يلتزم الناس بالحَجْر المنزلي.

وبالرغم من عدد المصابين بكورونا والوفيات الذي يرتفع، بعض المواطنين اللبنانيين يبدون حتى اليوم غير واعين لخطر كورونا فتغلّب شوقهم الكبير لملاقاة الثلج على خوفهم على صحتهم وصحة أحبائهم. واتى المشهد يوم الأحد الماضي وكأنه يوم أحد عادي جداً مشمس ومناسب لرحلة مع العائلة والأصدقاء الى الثلج وكانه الدني بالف خير! فبعض المتذاكين والمغامرين حاولوا كالعادة استغلال الطقس الجميل لممارسة بعض الألعاب الشتوية على الثلج رغم التحذيرات المستمرة من القوى الأمنية! ولكن لماذا لم يكن هناك أية حواجز لايقافهم؟ مع العلم أن يوم الأحد كان ممنوع أخذ أي إذن للتجول لأي سببٍ كان! فكيف وصل كل هؤلاء الناس الى الثلج؟

هذا وتنتظر محطات التزلج مثل كل اللبنانيين أن تتطور الأمور الصحية نحو الأفضل علّ صرامة الإجراءات تخفّ فيتمكن اللبنانيون من الاستمتاع بموسم تزلج آمن وتحقق المحطات كما المرافق السياحية في المناطق الجبلية بعض الأرباح لتتمكن من الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية المستفحلة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألا تشكل الزحمة التي تشهدها عادة مراكز التزلج و انتظار الناس صفوفاً طويلة لأخذ المصاعد نحو المرتفعات واكتظاظهم على المنحدرات والحلبات صغاراً وكباراً، وعلى شرفات المقاهي والمطاعم عامل خطر ينذر بتداعيات مؤسفة على صعيد كل لبنان؟

ويذكر إن أصحاب المحطات كانوا قد وضعوا خطة تَقَدّموا بها الى الوزراء المختصين تقضي باعتماد أشدّ وسائل الحماية في حلبات التزلج مثل إلزامية وضع الكمامة وما يغطي الوجه بشكل دائم، وممارسة التباعد الاجتماعي في جميع أنحاء المنتجعات، وخصوصاً عند مصاعد التزلج وتأجير المعدات ومكاتب التذاكر. وكذلك اعتماد تعقيم أرجاء المنتجعات بصورة دائمة وتنظيم مناوبات العاملين في المنتجعات وعدم الاكتظاظ، مع المحافظة على المسافات الآمنة بين الاشخاص. وربما كان يمكن لهذه الإجراءات ان تؤدي الأهداف المطلوبة منها في الحماية وخصوصاً أن غالبية النشاطات تجري في الهواء الطلق لا في أمكنة مقفلة يمكن أن تساهم في انتشار العدوى، لولا تفاقم الجائحة وضرورة السيطرة على انتشارها بكل الوسائل.

وبذلك فان إعادة فتح مراكز التزلج حسب الخطة الرسمية معلق حتى إشعار آخر وهناك خوف أن يأتي قرار إعادة فتحها بعد فوات الأوان وانتهاء موسم التزلج والسياحة الشتوية. اذ وفق خطة إعادة فتح البلد الرسمية افتتاحها سيتم منتصف شهر آذار وسيكون متأخراً جداً لموسم التزلج والسياحة الشتوية في المناطق الجبلية التي كان اقتصادها يعتمد عليها.

فهل ستكون الطبيعة كريمة وستمدد موسم الثلج الى شهر آذار وربما نيسان علّ موجة كورونا تكون قد انحسرت واستأنف الناس حياتهم ونشاطاتهم الطبيعية؟ أم أن لبنان سيفوّت عليه الاستفادة من موسم الثلج هذه السنة؟ وفي حال عاد الناس الى حلبات التزلج هل سيمكنهم تحمل زيادة الأسعار التي فرضها الغلاء على كل خدمة أم سيكتفون بالنظر الى الثلج من بعيد واللعب المجاني في ربوعه؟