نبيه البرجي

... أمّا وقد تقطعت بنا السبل بين واشنطن وطهران، وربما بين واشنطن والرياض، ثمة من يعتقد أن أي تفاهم بين الأميركيين والايرانيين سيطبق عليه جيوسياسياً، وحتى وجودياً، وثمة من يعتقد، مثلنا، أن التفاهم يمكن أن يكون بداية الطريق الى الخلاص.

استطراداً، هل يخطئ الايرانيون حين يتصورون أنهم انتصروا، في صراع حافة الهاوية، على أميركا ؟ ما هو الشيء الذي لم يفعله دونالد ترامب لترويعهم ولتجويعهم، أو لجرهم الى مفاوضات الذئب والحمل ؟

القاذفات العملاقة، حاملات الطائرات، الغواصات النووية، بقيت حتى اللحظة الأخيرة تنتظر أي رصاصة من ايران لكي تزج الأمبراطورية في مستنقع آخر (حتماً الأشد هولاً)، من أجل بقاء الرجل في البيت الأبيض...

ماذا يقول ديبلوماسي ايراني من معسكر الاصلاحيين، لكنه يرى أن هذه اللحظة لحظة الصقور ؟ ايران التي لم تتراجع أمام الضغط العسكري للادارة السابقة لن تتراجع، البتة، أمام الضغط الديبلوماسي للادارة الحالية.

«الفارق بين الاثنين أن الأول يريد، بمنطق القاذفات النووية، أن يجرنا الى الحظيرة الأميركية. الثاني يريد جرنا بمنطق القفازات الحريرية، مع ادراكنا لدور ايران المستقبلي كنقطة تقاطع بين الشرق الأوسط والشرق الأقصى في الصراع الذي حدد بايدن مسرحه : الهضاب والتضاريس، الآسيوية التي تحيط بالصين (وروسيا)، وصولاً الى عرض الباسيفيك».

الديبلوماسي الايراني يضيف «حتى في المفهوم الكلاسيكي للمفاوضات، لا بد من توازن ما بين الأوراق التي على الطاولة. لا نقول بالتوازن العسكري، أو بالتوازن الاقتصادي، وانما بالتوازن بين نقاط القوة، ونقاط الضعف. نحن نعلم ما هي نقاط القوة ونقاط الضعف لدى الطرف الآخر، وهو يعلم ما هي نقاط القوة ونقاط الضعف لدينا. هنا المعادلة الجوهرية».

في رأيه أن باراك أوباما هو الذي يحكم (وينتقم) من وراء الستار. انه في مجلس الأمن القومي، وفي البنتاغون، وفي وزارة الخارجية، وفي وكالة الاستخبارات المركزية ...». وأعتقد أنه الآن أقوى مما كان عليه حين كان في البيت الأبيض، ولاحقته التوصيفات العنصرية. حيناً، الرجل الآتي من الأدغال، وحيناً الرجل الذي لا يزال يرتدي جبّة أبيه من أجل «أسلمة» أميركا !».

الديبلوماسي الايراني الذي رأى في عقوبات دونالد ترامب «عقوبات الشيطان»، يسأل «كيف لنا أن نجلس الى طاولة المفاوضات، والسكين على عنقنا ؟ رفع العقوبات أولاً. بعدها تدخل النوايا النظيفة الى الردهة».

«هذا منطق الأشياء. الأميركيون على بيّنة من ذلك. بعضهم يعتبر أن العقوبات غير أخلاقية وتسيئ الى قيم الآباء. المشكلة أن من يمسكون بملف المفاوضات في واشنطن يعتبرون أن العقوبات هي ورقة القوة الوحيدة في أيديهم بعدما استنفد دونالد ترامب كل الأوراق الأخرى ...».

الايرانييون فريق واحد الآن «مثلما للآخرين مصالحهم الجيوسياسية، والجيوستراتيجية، لنا أيضاً مصالحنا الجيوسياسية، والجيوستراتيجية. لو شئنا حيازة القنبلة لكانت الآن بين ايدينا الآن. البنتاغون يعلم ذلك. من هنا كانت مواقفه الأقل تشدداً من مواقف وزارة الخارجية التي لا تستطيع سوى المراوغة التكتيكية... «.

حول الملف الباليستي يسأل: «ماذا اذا اشترطت الصين  لأي مفاوضات سياسية أو عسكرية، أن تتخلى الولايات المتحدة عن صواريخها العابرة للقارات؟». يسأل أيضاً : «من زود صدام حسين بالصواريخ. نحن الوحيدون الذين تعرضت مدننا للضربات الصاروخية. لم يكن أمامنا سوى أن نتجرع كأس السم ...».

وصف موقف الأوروبيين في بروكسل بـ»الرائع». لكنه يفتقد «ديناميكية التأثير المباشر». دونالد ترامب الذي يصفونه بـ»هتلر القرن» حاول، أكثر من مرة، أن يسحق الدول الكبرى في القارة العجوز.

الديبلوماسي الايراني ليس متشائماً. المفاوضات تقتضي نزع الألغام أولاً. الطريق شاق لكن بايدن الذي يعلم أن ادارته تواجه أكثر من مأزق في الشرق الأوسط، مصرّ على العودة الى الاتفاق. هذا ما يقضّ مضاجع البعض الذين يعتبرون أنهم باتوا في مرمى العيون الحمراء. لا يقضّ مضاجعنا ...».