تُظهر الأزمة الخطيرة التي يعيشها لبنان درجة الحكمة والنضج، التي يتعامل بها طرف أساسي، يحوز وزنا كبيرا ودرجة عالية من الاحترام والتأييد، هو حزب الله، الذي يتنكّب مسؤولية الدفاع عن البلد وردع العدو الصهيوني منفردا وبالشراكة مع الجيش اللبناني. وحيث حضوره في المعادلة الداخلية لم يشهد أو يسجّل خلال عقود الى اليوم، أي محاولة لصرف فائض القوة الإقليمية المعترف بها في معادلات الداخل ولعبة السلطة السياسية في البلد.

أولا: إن هذه التجربة التي يُظهر فيها حشدٌ من المجاهدين تصميما على التفرّغ لجبهة الصراع ضد العدو الصهيوني، توفّر للبلد الحصانة والحماية من البطش الصهيوني، الذي جرّبناه وخبرناه طيلة عقود، وحصد بلدنا بنتيجته خسائر وويلات لا تُحصى ولا تعدّ منذ عام النكبة.

هذه القوة المحارِبة المجرَّبة التي تسيّج الوطن، وتمنع العدوان، وتسهر على كل نقطة من حدودنا مع فلسطين المحتلة، ويتابع شبابها التفاصيل الدقيقة لسجال بناء القوة الحامية ليل نهار، بتطوير قدرات الردع التي بلغت مع الصواريخ الدقيقة درجة عالية من الفاعلية والتأثير ترعب العدو، وهي غير مسبوقة في مجريات الحروب والصراع العربي - الصهيوني منذ اغتصاب فلسطين. وبلدنا الصغير بات قلعة عصيّة تُخيف العدو بجهود هؤلاء المقاومين، الذين يصلون الليل بالنهار في سبيل الدفاع عن وطنهم، ومنع العربدة والعدوان. وهذا التطوّر الحاسم والنوعي، الذي حصل في أخطر جبهات المصير اللبناني، هو إنجاز لحزب يتميّز بتواضعه وبجعل إنجازاته موضوع شراكة وطنية شاملة واستثمار مربح لجميع اللبنانيين بدون استثناء. وهو لم يطلب لنفسه شيئا، بل إنه يرتضي قواعد الوفاق الداخلي بكل تواضع وحكمة، ويقدّم همّ الوحدة الوطنية والمصالح العليا للبلد في جميع الأزمات بابتعاده عن أدبيات المناكفة وسجالات التناحر، ودعوته المتجدّدة لتغليب صوت العقل وحكمة التفاهم والوفاق الوطني.

ثانيا: إن الوضع الدقيق الذي تجتازه البلاد يتطلّب بالضرورة الابتعاد عن التناحر السياسي، والسعي الى بلورة تفاهمات على مضمون الإجراءات والتدابير المنشودة، للخروج من المأزق الخطير في الداخل، والذي هو أكبر من طاقة أيّ جهة بمفردها، وبالتالي لا يحتمل منطق المناكفة والحسابات الذاتية الضيقة، التي تدفع البلد في متاهة استنزاف، تضاعف من آلام الناس وتزيد من حدة المشاكل بدون طائل. فالهوّة السحيقة التي تدحرج اليها الوضع الاقتصادي والمالي بسبب التغاضي عن خلل بنيويّ مزمن ورفض السعي الى تجاوزه وتصحيحه، تستدعي إرادة وطنية جامعة لبلورة مسار إنقاذي جديد، يوقف الكارثة في البداية، ويحتوي النتائج بحصر الخسائر والحدّ من انعكاساتها الخطيرة على مستوى عيش الفقراء ومحدودي الدخل، وهم شريحة توسِّعها حالة الانهيار والانسحاق الاجتماعي حتى تكاد تصبح غالبية لبنانية ضاربة.

إن تصميم حزب الله على التمسّك بمنطق الوفاق في الداخل، بينما هو يحمل منفردا همّ المجابهة مع العدو ويضمن استمرار حراسة المناعة اللبنانية السيادية بقوة الردع، التي يحرسها ويسهر على تطويرها بجهود استثنائية يشكّل ضمانة لحماية البلد والناس رغم كلّ ما يجري، وهو بالتالي يسمح للبنانيين أن يبحثوا عن الحلول والمخارج للمأزق المالي والاقتصادي دون أن يصرفهم التحدي الصهيوني عن ذلك الجهد، فحزب الله يتكفّل بردع العدو وحماية البلد عن جميع اللبنانيين.

ثالثا: إن المطلوب في هذه المرحلة هو انتشال الواقع السياسي من مستنقع المناكفات، والسير الجديّ الحثيث الى بلورة إرادة مشتركة، والعمل لتشكيل فريق حكومي قادر على التحرّك سريعا في اتجاه لجم الانهيار، ومنع سقوط البلد في هوّة سحيقة بفعل الكارثة الاقتصادية والمالية الناتجة عن الخلل الخطير في بنية نظامنا الاقتصادي والمالي.

المسألة الراهنة والأكثر إلحاحا أكبر من الحصص الوزارية، وأعمق من الألعاب الصغيرة، التي تستهوي بعض الواقع السياسي في عملية تسجيل النقاط والتمريك البائس ضمن سجالات الحصص والمصالح. ويجب أن يعلم المتناحرون أنه إذا استمر السقوط الحر نحو الهاوية السحيقة، فلن يبقى ما يتناحرون عليه أو يتنافسون على استحواذه، والناس يتطلعون الى استئناف الحياة الطبيعية، وتتواضع طموحاتهم كثيرا في ظروف الكارثة، بينما تغيب الحلول الجذرية والواقعية عن أدبيات الواقع السياسي. وبات أقصى الطموح اليوم قيام حكومة تنعقد بصورة منتظمة كاملة القوام الدستوري، وقادرة على التحرّك ضمن حدود التعامل مع الأزمة الخطيرة وفق الإمكانات المتاحة. فالجميع يعلم أنه لا معجزات، ولكن ثمة فارق بين دفع البلد في دوامة الخراب وبين السعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.