هذا ما نقله نائب لبناني عن «صديقه» ديفيد شينكر حول «الاتصالات الحساسة التي جرت أخيراً بين واشنطن وتل أبيب». ادارة جو بايدن تعهدت بعدم اعطاء الفرصة لايران من أجل تسجيل أي تقدم تكتيكي، أو استراتيجي، ان في اليمن، أو في العراق، أو في سوريا، أو في لبنان، لاستخدام ذلك كورقة ضاغطة على طاولة المفاوضات ...

وتبعاً لما نقله عن شينكر فان الايرانيين قرأوا بصورة خاطئة ما تعنيه الادارة الجديدة باعطاء الأولوية، الأولوية المطلقة، للعمليات الديبلوماسية في مقاربة أزمات الشرق الأوسط.

الدليل ما حدث في اليمن. الايرانيون حثوا الحوثييين على القيام باختراق صاعق لمأرب، الأمر الذي لم يتحقق اذ بقيت المعارك تراوح مكانها، مع سقوط أعداد ضخمة من القتلى، لا بل أن القوى الأخرى تمكنت من كسر حلقة محورية من حلقات الحصار على تعز، اضافة الى نجاحات ميدانية في نقاط أخرى.

استطراداً، ممنوع على أي كان زعزعة قواعد اللعبة، أو قواعد الاشتباك، في مناطق تعتبر حيوية جداً للمصالح الراهنة، والمستقبلية، للولايات المتحدة.

ماذا عن لبنان ؟ اذ يدرك الأميركيون مدى تآكل المنظومة السياسية، يلاحظون أن التشابك السعودي ـ الايراني في الساحة اللبنانية جعل هذه المنظومة رهينة المسارات الاقليمية الأكثر قابلية للتفاعل.

لعل اللافت هنا أن شينكر يقرّ بأن ادارة دونالد ترامب أعدت، مع قوى حليفة، خطة لاحداث تغيير دراماتيكي في خارطة القوى في لبنان من أجل حصار «حزب الله»، لكن النتائج «مكّنت نصرالله من أن يربح الرهان» !

في هذه الحال، أين الولايات المتحدة من (وفي) أزمتنا ؟ الادارة ليست ضد تشكيل الحكومة، أي حكومة، لكن الثابت أن هناك جهة فاعلة في المنطقة تريد ازالة الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري عن الخشبة.

أين الدقة (والصدقية) في التعليقات الفرنسية التي ترى أن الايرانيين يريدون ابقاء الوضع عالقاً حتى اللحظة التي تعود فيها الولايات المتحدة الى اتفاق فيينا، وترفع العقوبات، ولو بشكل مبرمج ؟

هذا ليس بالمسألة التي تتحقق بين ليلة وضحاها بعدما طرأت عناصر جديدة، ومعقدة، على الملف، وبعدما أكدت كل التقارير الاستخباراتية أن نظام آيات الله مضى في تطوير التكنولوجيا العسكرية الى حد اثارة هواجس حقيقية ان لدى السعودية أو لدى اسرائيل.

الادارة الأميركية التي تشغلها سلسلة مترامية من المشكلات الداخلية، والتي تعتبر أن أرض الصراع في مكان آخر، ترى أن ساعة التسويات متوقفة راهناً الى أن تبدأ المفاوضات مع طهران.

هل يستطيع لبنان، وحيث الدولة تتلاشى أكثر فأكثر، الانتظار، لأشهر قد تطول، وتطول، بسبب التجاذبات المتعددة الأبعاد ؟

وزير الداخلية محمد فهمي كان في منتهى الشفافية. قد لا نستطيع حتى أن نختبىء مثل الفئران في منازلنا مع استشراء الفوضى بسبب المجاعة التي تهدد كل اللبنانيين دون استثناء. اللهم الا المهراجات الذين يحمون قصورهم بالأزلام وحتى بالرعاع.

كلما ارتفع الدولار أكثر ليست الليرة اللبنانية وحدها التي تسقط أكثر. الدولة اللبنانية أيضاً. في هذه الحال، أي منطق يحكم مواقف قصر بعبدا، وأي منطق يحكم مواقف بيت الوسط ؟ وهل يتصور الرجلان أين سيكون مكانهما في التاريخ، وحتى في ذاكرة الناس ؟

الليلة الليلاء قادمة لا محالة. المؤسسة العسكرية أمام أزمة وجودية. المؤسسات الأمنية كذلك. لا الجيش يستطيع القيام بانقلاب يطيح المنظومة القائمة، ولا «حزب الله» كقوة ضاربة، يفكر في أن يفرض الحل. من أين يؤتى بالقوة الثالثة قبل أن يتحول كل اللبنانيين الى هياكل عظمية هائمة على وجهها ؟

الصحف الفرنسية تحذّر من الدخول أكثر في «الغرنيكا اللبنانية». قطب حزبي بارز، ومعارض شرس لدمشق. قال «أخشى من ضوء أخضر أميركي للجيش السوري».

ألسنا ... جمهورية اللامعقول ؟!