في الأشهر الأخيرة نشر الإعلام العبري عشرات المقالات والتقارير، التي تتناول سجال الصراع والمعادلات على جبهة لبنان، وحيث يبدو واضحا لأي قارىء حصيف أن عقدة العدو تجاه تنامي قدرة المقاومة ومعادلاتها الرادعة تتعاظم وتتوسّع. وقد فاقمها مؤخرا هاجس الصواريخ الدقيقة والنُّقطية، التي أعلن عنها قائد المقاومة السيد حسن نصر الله. وهو قال جازما إن العدو بات يعرف أن هذه الصواريخ قادرة على إصابة أيّ نقطة في الكيان. ويعلم الخبراء الصهاينة وجنرالات الجيش، بشاهد التجارب الطويلة والمتكررة، مدى دقّة ومصداقية ما يعلنه السيد نصر الله، البعيد كليا عن مألوف أساليب التهويل والمبالغة الكلامية. وقد دفعت المؤسسة الصهيونية كلفة عالية لسوء تقدير قوة حزب الله ومصداقية قائد المقاومة السيد حسن نصر الله.

أولا: إن الصواريخ الدقيقة، التي أعلن قائد المقاومة أنها باتت في حوزة آلة عسكرية منظّمة، خبرها العدو، تتقن فنون التّمويه والإدارة الحربية الجيدة، ولديها منظومة استعلام واستخبارات، جرّب العدو كفاءتها في قلب النزال، وفي جولات الحروب، وما بين الحروب على جبهة لبنان. وهذا بالذات هو مصدر المصداقية العالية، التي تتسم بها المعلومات والمعادلات المعلنة من قبل المقاومة على لسان قائدها في جميع دوائر التخطيط والقيادة الصهيونية، التي تدرك وبدقة، أن قائد المقاومة لا يلجأ الى التهويل و» البهورة «في إدراة الصراع، وفي حربه الإعلامية المدروسة والمتقنة، الموجهة بصورة أساسية الى داخل الكيان الصهيوني، حيث الرأي العام يعتبر السيد نصر الله مثالا للمصداقية والدّقة، ولصحة ما يُعلِن من معلومات، يدرك العدو أنها دائما أقلّ مما تحقّق فعلا على صعيد امتلاك الحزب لأدوات القوة والردع.

في كلّ جولة جديدة من الصراع كان الصهاينة يسجّلون لقوة الحزب المقاتلة احتفاظها بعناصر قوة أخفتها لتفاجئهم بها في المعارك الفاصلة. وقد باتت المفاجأت عنصرا أساسيا يميّز أسلوب الحزب وأمينه العام في إدارة الصراع مع العدو. وهذا بالذات عنصر قوة حاسم للبنان ولحلفائه في محور المقاومة، حيث تشعّ عناصر القوة اللبنانية، لتهب الحلفاء الأصيلين وشركاء المصير في سورية وفلسطين والعراق واليمن عنصر قوة حاسم، يمكن الاستناد اليه بنتيجة فعله في كبح الجموح الصهيوني، ورسم حدودٍ لقدرة العدو على العربدة في أيٍّ من جبهات الصراع.

ثانيا: إن في حزب الله حشدا من الشباب والكهول، الذين ينعزلون عن كثير من شؤون حياتهم الخاصة كأفراد في مجتمعهم، ويزهدون في المشاغل العادية لأيّ مواطن عادي ليكرّسوا ليلهم ونهارهم الموصولين في مراكمة المزيد من عناصر القوة، وبناء منظومات الدفاع والردع وإبقائها على أهبة الاستعداد لمجابهة العدو. وقد طوّر قائد المقاومة سماحة السيد حسن نصر الله أسلوبا نوعيا في الردع الاستباقي، مستندا الى مراكمة المصداقية والسمعة لدى الرأي العام الصهيوني وداخل كيان العدو ودوائره القيادية. ففي جميع الجولات كان ما يجري في الميدان، ينطوي على مفاجآت، لم يُعلن عنها سابقا.

حتى اليوم تمثّل مفاجأت السيد نصر الله ومجاهدي المقاومة الإسلامية هاجس التحسّب الصهيوني، والقلق المستمر في ثنايا التأهّب واحتمال الاشتباك. وكل محاولة صهيونية للعربدة ولخرق معادلات الردع خلال السنوات الماضية تكسّرت في سياق السجال مع حزبٍ يعيدٍا عن «البهورة» والضجيج الإعلامي، يصل قادته ومجاهدوه الليل بالنهار في العمل المثابر لبناء منظومات الردع، وتطوير الخبرات والتقنيات. وهذا أمر غير مسبوق في سجال الصراع والحرب منذ النكبة، لم يعتده الصهاينة، الذين تربعوا على منظومة قاهرة منذ نكسة حزيران 67 وهزّتهم مبادرة حرب تشرين 73، ولكن العقدة التي مثّلها أداء حزب الله واستراتيجياته في إدارة الصراع، وتحالفه الوثيق مع سورية والمقاومة الفلسطينية في إطار منظومة إقليمية رادعة، شكّل سرّ انقلاب كبير ونوعي في البيئة الإقليمية.

ثالثا: للمرّة الأولى منذ عام 1948 يواجه الكيان الصهيوني انقلابا شاملا في معادلات الصراع. فمحور المقاومة بات يحتفظ باليد العليا. وشكّل انضمام اليمن الى معاقل القوة والردع الداخلة على خطّ التوازن والصراع في جبهة التصدّي للصهيوني إضافة نوعية ثقيلة، تؤرق العدو وظهيره الأميركي. وهذا أحد أسرار الاهتمام الاستثنائي السياسي والإعلامي بمتابعة ما يجري في اليمن، وما يراكمه المحاربون الأشدّاء من عناصر القوة، وكذلك ما يعبّرون عنه من هوية تحرّرية عربية واضحة ملتزمة بقضية تحرير فلسطين.

إن التراكم الجاري في سياق الصراع العربي الصهيوني، وبصورة خاصة في مثلث سورية ولبنان واليمن، وفي ظل ما هو حاصل على مستوى حركة المقاومة الفلسطينية، يؤسّس لانعطافة كبيرة، ولتوازنات جديدة في الصراع العربي - الصهيوني. وإن كان هذا التراكم في مظاهره بطيئا وخفيّا أحيانا، يحجب وقائعه تكتّم محور المقاومة بجميع أطرافه وصخب المشاكل والأزمات، التي تلف المنطقة بأسرها. لكننا على يقين بأننا اليوم بتنا عشية انقلاب استراتيجي عظيم لصالح محور المقاومة والتحرّر في المنطقة، واليد العليا في المعارك المقبلة وفي سجال الصراع السياسي بين معسكر المقاومة والتحرّر وحليفه الإيراني الموثوق وبين الكيان الصهيوني وظهيره الأميركي، هو محسوم في أفقه لمصلحة حلف المقاومة والتحرّر في منطقتنا. ويمكن لنا أن نقول إن المطلوب اليوم هو الالتفاف حول خيار المقاومة والتحرّر، وتحصين المعادلات الوطنية، التي تحمي وتصون جحافل المناضلين والمقاتلين الأشدّاء، التي تدافع عن كرامتنا وشرفنا وتسهر على تكتيف العدو ولجمه.