باتت "كذبة نيسان" بمثابة ثقافة ساخرة، يمارسها معظم الناس منذ مئات السنين في دول العالم يوم 1 نيسان من كل عام، حيث يقضون يومهم بالمزاح والكذب على بعضهم، فتكون المواقف طريفة أحياناً أو مُحزنة لـ"ضحية كذبة نيسان"، حتى صار الأمر وكأنه مناسبة يحتفل بها البعض ويشعرون بالفخر لممارستها.

اختلفت مسميات ضحاياها، فهو "أحمق نيسان" في ألمانيا، و"مغفل نيسان" في إنكلترا، و"سمكة أبريل" في فرنسا... وتبقى "كذبة بيضاء" قد يصدقها البعض ويكشف أمرها البعض الآخر. لكن ما هو تاريخها وأصلها؟

لا يزال أصل يوم "كذبة نيسان" غامضاً، وترجّح الفرضيّة الأكبر أن يكون أصلها فرنسيّاً، ففي أواخر القرن الرابع عشر، أمر شارل التاسع ملك فرنسا عام 1564م بجعل أوّل السنة في يناير بدل أبريل، حيث بدأ الفرنسيون باستخدام التقويم الغريغوري، لكن لم يكن الجميع على علم بأن تاريخ يوم رأس السنة قد تم تغييره، لهذا، فمن استمرّ بالاحتفال في الأوّل من نيسان كان يعرف بإسم "كاذب أبريل".

انتشر هذا التقليد بسرعة، ففي فرنسا، حيث يدعى يوم كذبة نيسان/ أبريل بـ(Poisson d’Avril)، كان الأطفال يقصون أشكال أسماك من الورق ويلصقونها على ظهور الآخرين، ثم يلوذون بالفرار، وذلك وفقاً لموقع (French Moments) ، أما في البرتغال، عادة ما يرمي المحتفلون الدقيق على بعضهم البعض، وفي اسكتلندا، يطلبون من أصدقائهم القيام بمهمات لا طائل منها، وذلك كما ذكرت مجلة (Time).

ماذا يقول علماء النفس عن الكذب؟! وهل هو عادة مكتسبة منذ الطفولة أو أنه سلوك موروث؟

أكّدت الأخصائية في علم النفس السيدة موريال صفير خليل في حديث لـ"الديار" أن الكذب عادة مكتسبة منذ الطفولة لكن الطفل لايولد كذاباً، كما انه لايولد صادقاً، وإنما يتعلّم الصدق أو الكذب شيئاً فشيئاً من البيئة المحيطة به، مثلاً اذا كان المحيطون به يراعون الصدق في أقوالهم وأعمالهم ووعودهم، نشأ الطفل صادقاً". وتابعت صفير قائلةً:" أما اذا تربى الطفل وسط بيئة تتصف بالخداع والتشكيك في صدق الآخرين والكذب، فأغلب الظن أنه سيتعلم نفس الاتجاهات السلوكية والاساليب في مواجهة مواقف الحياة وتحقيق أهدافه".

وأضافت:" نُخطئ إذا اعتقدنا أن الطفل الصغير لايفرق بين الكذب والصدق، فالولد عادة يكون قادراً على أن يفرق بين ما هو صادق وما هو كاذب، خصوصاً فيما يتعلّق بالامور والرغبات الخاصة به وهو قادر على أن يصبح كاذبا محترفا اذا كان خصب الخيال ولبق اللسان وذو ذكاء مرتفع.. كما انه بتقليده لمن هم حوله ممن لا يقولون الصدق ويلجأون الى الطرق الملتوية، يدرب على الكذب منذ طفولته".

وتقدم أخصائية علم النفس موريال صفير خليل عدد من النصائح:

- توفير قدر عالٍ من العطف والحنان لطفلك.

- اتفاق الوالدين على منهج موحد فى توجيهه بمعنى ألا يكون هناك طرف يسعد بمبالغته في الأمور وطرف آخر يتجاهل الأمر.

- الابتعاد تمامًا عن أسلوب التحقيق.

- إشعاره بالأمن والتقدير والاحترام.

- الحرص كل الحرص على أن تكونوا قدوة صالحة له.

- الاستماع الإيجابي له ومسك يديه عندما يتحدث والإقبال عليه والنظر في عينيه بكلّ هدوء ومحبة.

وختمت:"في النهاية، لكل مشكلة حلٌ، يمكن للاهل الاستعانة بمعالج نفسي لحل مشكلة الكذب التي بإمكانها أن تصبح وراثية من جيل الى جيل".

أشهر الأكاذيب...لا تصدّقوها!

يُعتبر الشعب الإنجليزي من أشهر شعوب العالم ‏كذباً، ففي الأول من نيسان عام 1860م في هذا اليوم حمل ‏البريد إلى مئات من سكان لندن بطاقات مختومة بأختام مزورة تحمل في طياتها دعوة كل ‏منهم إلى مشاهدة الحفلة السنوية "لغسل الأسود البيض" في برج لندن، وسارع جمهور غفير ‏من السذج إلى برج لندن لمشاهدة الحفلة المزعومة.

وهناك كذبة أخرى أُشتهر استخدامها في بريطانيا وهو أن ‏يبعث أحد الناس بمئتي رسالة إلى مديري دور الأعمال الكبيرة يطلب منهم أن يتصلوا ‏برقم تلفون يحدده في رسائله لأمر مهم جداًّ ومستعجل ويحدد موعد الاتصال فيما بين ‏الساعة الثامنة والعاشرة من صباح أول نيسان، وتكون النتيجة أن يظل صاحب رقم ‏التلفون المذكور في شغل شاغل بالرد على مكالمات واستفسارات المديرين طوال اليوم وقد ضربت هذه الكذبة الرقم القياسي في استخدام الشعب الإنجليزي لها.

كمثال لكذبة ما حدث في الخليج والسعودية على وجه الخصوص في نيسان 2009 عن وجود مادة الزئبق الأحمر في ماكنات الخياطة من نوع سنجر (أبو أسد) القديمة، وأصبح الجميع يبحثون عن هذه الماكنات في كل مكان ووصلت أسعارها في بعض المناطق في السعودية ما يقارب المائة ألف ريال، وحتى منتصف نيسان أغلب مواقع الإنترنت تعرض ماكنات للبيع بأسعار خيالية لا تقل بأي حال من الأحوال عن خمسة وعشرون ألف ريال، فهذا مثال لكذبة نيسان التي راح ضحيتها الكثير، وفي نفس الوقت غني بسببها الكثيرون.

ومن أطرف الأكاذيب وأشهرها، في مختلف البلدان، ما حدث في رومانيا عندما كان الملك كارول يزور أحد متاحف عاصمة بلاده في الأول من نيسان فسبقه رسام مشهور كان قد ترصد قدومه و قام برسم ورقة مالية أثرية من فئة كبيرة، على أرضية المتحف،ما دفع الملك بأمر أحد حراسه بالنزول لإلتقاطها, و لكن سرعان ما اكتشفوا أنها كذبة.

وإلى جانب هذه المواقف المضحكة هناك مآسٍ باكية حدثت بسبب كذبة أول أبريل فقد ‏حدث أن أشتعلت النيران في مطبخ إحدى السيدات الإنجليزيات في مدينة لندن فخرجت إلى ‏شرفة المنزل تطلب النجدة ولم يحضر لنجدة السيدة المسكينة أحد إذ كان ذلك اليوم ‏صباح أول نيسان.

ولعل أبرز كذبات أبريل هي تلك المرتبطة بالشركات الكبرى ووسائل الإعلام ففي عام 1940.. أعلن تقرير صادر عن معهد فرانكلين أن نهاية العالم ستكون في اليوم التالي، وكان هدفهم الترويج لمحاضرة ينظمونها!

والأهم من ذلك، برنامج أورسون ويلس والذي كان يثير الذعر في أوساط مستمعي الإذاعة وخصوصا حينما تحدث عن الكائنات المريخية التي تغزو الأرض، بث في الأول من أبريل.

هذان البلدان لا يحتفلان بـ "كذبة نيسان"!

تختلف دول العالم في التقاليد المتبعة في الاحتفال بهذا اليوم وفي التسميات أيضا، ففي البرازيل، يسمى يوم كذبة أبريل "Dia Da Mentira" أو "يوم الأكاذيب"، أما في بلجيكا وإيطاليا وفرنسا، فيُطلق على هذا اليوم اسم""pesce d'aprile باللغة الإيطالية، وفي بولندا، يحمل يوم كذبة نيسان اسم "Prima Aprilis, uważaj, bo się pomylisz" ومعناها: "يمكن كذبة نيسان، كن حذرا، يمكنك أن تكون مخطئا!".

أمّا في روسيا، فَيُقال إن كذبة نيسان عرفت في العام 1719، عندما قام قيصر روسيا بطرس الأكبر بإشعال النار في قبة عالية طلاها بالزفت والشمع، فتوهم الناس أن مدينتهم تحترق فهربوا خائفين، وكان الجنود يوقفونهم ويقولون إن اليوم هو أول نيسان. ‏

يعرف في اسكتلندا، هذا اليوم باسم "Hunt the Gowk Day" (يوم اصطياد الأغبياء)، ويتم الاحتفال به في أول يومين من شهر نيسان. حيث يقضي الناس اليوم الأول في المزاح والخداع، بينما يضعون في اليوم الثاني ذيولا على ظهورهم.

في المملكة المتحدة وبعض البلدان الأخرى، عادة ما يسمح للأشخاص بالقيام بالدعابات على الآخرين حتى منتصف نهار اليوم فقط، ولكن في بعض الأماكن الأخرى مثل أمريكا، يمكن للنكات أن تستمر طوال اليوم.

وقد أصبح أول نيسان اليوم المباح فيه الكذب لدى كل شعوب العالم‏، ‏ما عدا الشعبين الأسباني والألماني، والسبب أن هذا اليوم مقدس في أسبانيا دينيا، أما في ألمانيا فهو يوافق يوم ميلاد بسمارك الزعيم الألماني المعروف.

ولدى بعض الدول تقاليد مماثلة تحدث في أوقات أخرى من السنة، حيث يحتفل الناس في إسبانيا، على سبيل المثال، في 28 كانون الاول بيوم الأبرياء المقدس، وهو اليوم الذي يُسمح فيه للجميع، بما في ذلك وسائل الإعلام بالكذب.

كما تم الاحتفال بذلك اليوم على خشبة المسرح بمسرحيات منها "حلم ليلة منتصف الصيف"، "الملك لير" و"عيد الغطاس" وفي السينما بأفلام مثل فيلم الرعب "يوم كذبة نيسان " انتاج عام 1986، والذي أُنتِج له طبعة جديدة صدرت عام 2008.