«مؤتمر بروكسل الخامس» كسابقيه يهتمّ بتقديم المساعدات المالية السنويّة دون إيجاد الحلّ

تتفاقم الأزمة الإقتصادية والمالية والإجتماعية والمعيشية في لبنان، ليس فقط بسبب عدم تشكيل الحكومة، إنّما بسبب إستضافة لبنان لأكثر من 500 ألف لاجىء فلسطيني، وأكثر من مليوني ونصف نازح سوري. وهذا الكلام لا يُقال من باب التعصّب أو العنصرية، إنّما من باب توصيف الواقع. هذا الواقع المرير نقله كلا من رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب، ونائبته ووزيرة الدفاع الوطني زينة عكر في مداخلتهما خلال مؤتمر بروكسل الخامس حول «دعم مستقبل سوريا والمنطقة» الذي عُقد أخيراً عبر تقنية الإتصال المرئي. وقد دعا لبنان الى منح خطّة الحكومة اللبنانية لعودة النازحين السوريين بشكل تدريجي التي أقرّت في تمّوز 2020 فرصة تحقيق هدفها بمساعدة المجتمع الدولي. هذه الخطة التي تقوم على مجموعة من المبادىء هي: عدم ربط عودة النازحين السوريين بالحلّ السياسي، واحترام حقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسريّة، وضمان العودة الكريمة والآمنة وغير القسرية للنازحين الى وجهات آمنة في سوريا.

كما أشار لبنان الى أنّ النزوح السوري بأعداد كثيرة يُرخي بثقله على الإقتصاد اللبناني، وقد بلغت كلفته على بلدنا نحو 46.5 مليار دولار، حسب تقديرات وزارة المالية للفترة الممتدة بين عامي 2011 و2018، ولا ينفكّ يؤثّر على النسيج الإجتماعي للبنان. وأكّد على أنّ إقامة النازحين في لبنان موقتة ولا ينبغي أن تُفسّر تحت أي ظرف من الظروف على أنّها اندماج محلي، فهذا «قرار سيادي»، و»عمل عائد للدول»، فضلاً عن أنّ التوطين مخالف للدستور اللبناني. فهل لاقت طروحات لبنان تجاوباً في هذا المؤتمر، سيما وأنّها تتلاقى في قسم كبير منها مع اقتراحات الدول المجاورة التي تستضيف النازحين السوريين مثل الأردن وتركيا بضرورة إعادة النازحين الى بلدهم؟!

أوساط ديبلوماسية متابعة قالت بأنّ الهدف الأساسي من عقد مؤتمر بروكسل حول «دعم مستقبل سوريا والمنطقة»، الذي عُقد للسنة الخامسة على التوالي يومي 29 و30 آذار المنصرم، هو مواصلة دعم الشعب السوري وتعبئة المجتمع الدولي لدعم حلّ سياسي شامل للأزمة السورية، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. وقد عالج هذا العام أيضاً المواضيع نفسها التي يُركّز عليها المؤتمر لا سيما القضايا الإنسانية والصمود التي تؤثّر على السوريين والمجتمعات التي تستضيف النازحين السوريين، داخل سوريا أو في دول المنطقة. وجدّد المجتمع الدولي دعمه لدول الجوار لا سيما الأردن ولبنان وتركيا، وكذلك مصر والعراق، وجرى الإعلان عن التعهدّات والتبرّعات لسوريا ودول المنطقة للعام 2021. فقد تعهّد المجتمع الدولي بتقديم 5.3 مليار يورو لهذا العام وما بعده لسوريا والدول المجاورة خصوصاً التي تستضيف أكبر عدد من النازحين السوريين. فيما أعلن الإتحاد الأوروبي عن تقديمه 3.7 مليار يورو من ضمن المبلغ الإجمالي، مشيراً الى أنّه لا يزال أكبر مانح إذ تمّ حشد 24.9 مليار يورو من المساعدات الإنسانية لتحقيق الإستقرار والصمود بشكل جماعي منذ بداية الأزمة في سوريا في العام 2011 وحتى اليوم بهدف معالجة عواقبها.

وأكّدت الاوساط نفسها أنّ المؤتمر لا يُعقد من أجل دراسة مسألة عودة النازحين، بل لتقديم المساعدات لكي تستمرّ هذه الدول باستضافتهم،حتى يتوصّل المجتمع الدولي الى إيجاد حلّ سياسي شامل للأزمة السورية، يشمل عودة النازحين السوريين الى ديارهم.

أمّا أن يكون لبنان يُعاني على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي من وجود النازحين على أرضه، وانعكاس هذا الوجود سلباً حتى على الوضع الأمني في لبنان من خلال التوتّر القائم بين المجتمعات اللبنانية والنازحين السوريين في جميع المناطق وحصول حوادث عدّة يتمّ التبليغ عنها، ويُخشى من تفاقمها مع ارتفاع نسبة الفقر في البلاد، فتُقابله تصريحات المسؤولين في الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي وسائر الدول المشاركة في المؤتمر، على ما أوضحت الاوساط، بالإشادة بلبنان كونه يستضيف أكبر عدد لاجئين على أرضه نسبة الى حجمه، يفوق عددهم ثلث سكّانه، وشكره على هذا الأمر وتشجيعه على الإستمرار به ليس أكثر.

أمّا مطالبة المجتمع الدولي بوضع خطّة عودة طوعية للنازحين السوريين تضمن عودتهم الى ديارهم بكرامة، على ما طالبت الوزيرة عكر في كلمتها، فتقول الأوساط نفسها، بأنّ كلّ ما يصل من الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية من تقارير عن اللاجئين السوريين في دول المنطقة والعالم، لا يتحدّث عن خطّة شاملة للعودة حتى الآن، بل عن أنّ الظروف المؤاتية لها غير متوافرة بعد. فيما تتحدّث بعض التقارير في الأمم المتحدة وسواها عن «دمج» لهؤلاء اللاجئين في المجتمعات المضيفة، أو عن «تجنيسهم» في الدول التي لا تُمانع من منحهم الجنسية. وهذان الأمران مرفوضان من قبل لبنان، وفي مقدّمة دستوره كونهما يعنيان «التوطين» بشكل مبطّن.

من هنا، فإنّ ما سبق وأن قام به مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم قبل انتشار جائحة «كورونا» في لبنان،على ما عقّبت الاوساط، لا بدّ وأن يوضع من جديد من ضمن أولويات الحكومة، الحالية، وإن كانت مستقيلة، أو تلك التي ستُشكّل قريباً، على ما يأمل الشعب اللبناني والمجتمع الدولي. فقد عمل اللواء ابراهيم في العام 2018 على تسهيل عودة بعض النازحين السوريين الى ديارهم على مراحل في الباصات وعن طريق الحدود، وقد تخطّى عددهم آنذاك الـ 173 ألف شخص، وذلك بالتعاون مع الروس الذين طرحوا عندذاك المبادرة الروسية لمساعدة الشعب السوري.

وذكرت الاوساط بأنّ وجود اللاجئين الفلسطينيين لا يزال مؤقّتاً ولن يتحوّل الى «توطين»، إلاّ أنّ إقامتهم في لبنان تستمرّ منذ 73 عاماً، وتُعيق بطريقة أو بأخرى بأن يستردّ أصحاب العقارات التي يقيمون المخيّمات عليها حقوقهم، وغير ذلك من الأمور التي تطال المواطنين اللبنانيين في رزقهم ومعيشتهم. لهذا، فإنّ وجود اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين ينعكس سلباً على لبنان،عاى حدّ قول الاوساط، بشكل أو بآخر، ولا يقوم المجتمع الدولي سوى بتقديم المزيد من المساعدات لهؤلاء للبقاء في المجتمعات المضيفة، رُغماً عنها وعن قدرتها الإستيعابية لهم.