كلاهما يدخل في صلب المـبادرة الفرنسية... وولادة الحكومة مؤجّلة لشهر أو اثنين في انتظار التسويات

لم يفضِ كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في كلمته المتلفزة مساء الأربعاء الفائت الذي حذّر فيه من أنّ «سقوط التدقيق الجنائي يعني ضرب المبادرة الفرنسية، ومن دونه لا مساعدات دولية ولا مؤتمر «سيدر» ولا دعم عربي وخليجي ولا صندوق دولي».. الى تعبيد الطريق أمام تشكيل الحكومة، بل الى قطع الطريق عليها. فبحسب بعض المعارضين لحصول هذا التدقيق بحجّة أنّ الأولوية حالياً هي لوجع الناس والوضع الإقتصادي قبل السعي لاستعادة الأموال المنهوبة، أي لتشكيل الحكومة أولاً بدلاً من انتظار مسار التدقيق الجنائي الذي قد يطول. في حين أنّه من شأن حصول هذا التدقيق من قبل شركة «ألفاريز ومارسال»، على ما يؤكّد المدافعون عن وجهة نظر عون، الكشف عن أسباب الإنهيار المالي الذي وصل إليه لبنان وتحديد المسؤوليات تمهيداً للمحاسبة واسترداد الحقوق، سيما وأنّ عرقلة عمل الشركة سيحرم الناس من ودائعهم المتبقية في المصارف، بدلاً من حمايتها. ولهذا دعا عون الى عقد جلسة إستثنائية لمجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب لحماية هذه الودائع. فمن يريد حصول التدقيق الجنائي في هذا البلد، ومن يُعارضه، وكيف تؤثّر عملية إسقاط هذا التدقيق، على عرقلة ولادة الحكومة؟!

مصادر سياسية مطّلعة أكّدت بأنّ التدقيق الجنائي يهدف بالدرجة الأولى الى تحقيق الإصلاح الفعلي في البلاد وصولاً الى تعافيها إقتصادياً وماليّاً. ولكن يبدو أنّه ثمّة أفرقاء في الداخل يعملون على عرقلة عمل شركة «ألفاريز ومارسال» (التي سبق وأن أوقفت عملها ثمّ استأنفته)، بطريقة مقصودة، كون البعض يريد إقفال ملف التدقيق الجنائي المالي أولاً لكي تُبصر الحكومة النور، والبعض الآخر يريد فتحه ليصل الى خواتيمه السعيدة في الكشف عن الفاسدين ومحاسبتهم واسترداد الأموال المنهوبة وحماية أموال المودعين في المصارف، قبل تشكيل الحكومة.

فالمعركة اليوم بين المؤيّدين والمعارضين للتدقيق الجنائي، تقوم إذاً على أيّهما يأتي أولاً التدقيق أم الحكومة؟ علماً بأنّ التدقيق مرّ بمراحل صعبة عدّة، وجرت محاولات عدّة لإسقاطه وقد اعتبره رئيس الجمهورية أمراً أخطر من العمالة ومن الإحتلال. ويرى المؤيّدون لمسألة التدقيق أنّه بإمكان حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة حسّان دياب على متابعته، في الوقت الذي يجد فيه المعارضون له أنّ الناس لا يهمّهم اليوم معرفة من سرق الأموال والى أين ذهبت، بقدر ما يريدون أن تُبصر حكومة الإنقاذ النور لمعالجة الأزمات وإيجاد الحلول للمشاكل الإقتصادية والمالية والمعيشية. فمن دون حكومة جديدة لا يُمكن للتدقيق الجنائي أن يُطبّق ويُتابع ويصل الى النتائج المرجوّة منه، ولا يُمكن بالتالي انتظار انتهاء التدقيق ليتمّ التوجّه بعد ذلك الى حلّ الأزمات المتفاقمة والتي يعاني منها الشعب اللبناني. وبرأيهم، أنّ ثمّة قانون للتدقيق الجنائي أقرّه مجلس النوّاب، والمسار القانوني له يجب أن يأخذ مداه، والمؤسسات هي المسؤولة عن تحقيقه، مشدّدين على أنّ أحداً لا يعمل على عرقلته.

وأشارت المصادر نفسها الى أنّ التدقيق الجنائي محكوم بالآليات، ولكنه، على ما يرى مؤيّدوه، يُمثّل الشرط الأساسي للمبادرة الفرنسية للحصول على المساعدات الدولية من مؤتمر «سيدر» للمانحين وصندوق النقد الدولي وسواهما. ومن دون تطبيقه يُصبح من الصعب على لبنان الحصول على الدعم الدولي لتحقيق الإصلاحات المطلوبة والمشاريع البنيوية الأساسية. كذلك فمن الضروري أن يعرف اللبنانيون الأشخاص أو الجهات التي قامت بسرقة أموالهم بدلاً من اتهام جميع السياسيين ووضعهم في الخانة نفسها.

أمّا الذين يُعرقلون التدقيق الجنائي اليوم، فيجدون أنّه أحد بنود الورقة الإصلاحية للمبادرة الفرنسية ولا يختزلها، وهو أساس الإصلاحات المطلوبة، والأطراف اللبنانية قد وافقت على إقرار قانون التدقيق الجنائي في مجلس النوّاب، بعد أن جرت المطالبة بإقراره منذ سنوات. فيما تعطيل تشكيل حكومة الإنقاذ من الإختصاصيين المستقلّين ينسف المبادرة الفرنسية برمّتها. ولهذا فمتى شُكّلت الحكومة سيكون التدقيق الجنائي البند الأساسي الذي ستعمل عليه من دون أي مشكلة.

وعن دعوة الرئيس عون حكومة تصريف الأعمال الحالية الى عقد جلسة إستثنائية لاتخاذ القرار المناسب لحماية ودائع اللبنانيين في المصارف، فيجدها المعرقلون للتدقيق بأنّه تعويم لحكومة دياب المستقيلة، وقد نسفت عملية تشكيل الحكومة الجديدة، على الأقلّ لشهر أو شهرين بعد. فيما يؤكّد المؤيّدون بأنّ التدقيق الجنائي قطع في مراحل عدّة، وجرت عرقلته بحجج واهية لكي لا تتمكّن الشركة الدولية من إنهائه وتقوم بالكشف عن الفاسدين الفعليين في البلاد، وعن الذين سرقوا أموال الشعب والذين يغطّون على هؤلاء، وبينهم من يريد العودة الى الحكومة الجديدة والعمل على تحقيق الإصلاحات.

من هنا، تجد المصادر نفسها أنّ الجدل على التدقيق الجنائي الذي هو مطلب لبناني بالدرجة الأولى، على قاعدة أنّه سيكشف ما الذي حصل في مالية الدولة العامّة وكيف جرى الإستيلاء على أموال المودعين. أمّا الذهاب الى المجلس النيابي لإقرار القانون فكان بهدف نزع آخر ذريعة أمام المعرقلين الذين ماطلوا ووضعوا الحجج طوال سنة واحدة أو أكثر، وللمباشرة بشكل جدّي في هذا المسار. وكان واضحاً أنّ «تكتّل لبنان القوي» و«الجمهورية القويّة» و«كتلة الوفاء للمقاومة»، قد أيّدت هذا القانون دون سواها من الكتل النيابية التي انتهجت أسلوب العرقلة في مرحلة من المراحل.

ولفتت المصادر الى أنّ التدقيق الجنائي هو الأساس اليوم، ومن المعلوم أنّ المبادرة الفرنسية تنصّ على أنّه بعد تشكيل الحكومة، فإنّ البند الأساسي الذي يجب أن تعمل عليه الحكومة هو إجراء تدقيق محاسبة جنائي فيما يتعلّق بحسابات مصرف لبنان. ولهذا فإنّ عدم التوافق على تسهيل التدقيق الجنائي يُشكّل أحد أسباب عدم تشكيل الحكومة، يُضاف إليه عدم التوافق الداخلي بعد على صيغتها ومعاييرها، الى جانب انتظار التسويات الخارجية التي انطلقت بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران على الإتفاق النووي ومطالبة طهران بوقف كلّ العقوبات الأميركية عليها.