لطالما تابعنا بشغف الأفلام الهوليوودية حول «صراع الجواسيس» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. في وقت متأخر وصلتنا الكتب حول الأداء «الخرافي» للموساد في البلدان العربية. مهمة الأجهزة العربية كانت (وربما لا تزال) حماية الأنظمة من المعارضين حتى ولو كانوا على شاكلة... الديكة !

في لبنان، عشنا، في الخمسينات، تجربة شولا كوهين (اللؤلؤة). اليهودية المصرية التي تزوجت من ثري يهودي لبناني، لتنتقل الى بيروت وهي في السادسة عشرة. كما كانت وزيرة الخارجية السابقة وزعيمة حزب «كاديما» تسيبي ليفني تضاجع كبار المسؤولين العرب، كانت كوهين تضاجع كبار الساسة، والضباط، في لبنان، لتهريب يهود وادي أبو جميل الى اسرائيل.

غير أنها كانت أقل هولاً بكثير من ايلي كوهين الذي كاد أن يعيّن وزيراً للدفاع في سوريا، وربما أن ينتخب رئيساً للدولة قبل أن يفتضح أمره ويشنق في ساحة المرجة.    

وحتى في الولايات المتحدة، قام اليهوديان جوليوس روزنبرغ، وزوجته ايتل، بنقل اسرار القنبلة الذرية الى جوزف ستالين. المؤسسة اليهودية استنفرت كل امكاناتها لانقاذهما من الكرسي الكهربائي. الرئيس دوايت ايزنهاور قال «لا استطيع أن أتحمل الشيطان على كتفي».   وصولاً الى اليهودي جوناثان بولارد، المحلل في البحرية الأميركية. بالرغم من التداخل، وحتى التماهي،   بين مصالح الجانبين، ضبط وهو يتجسس للموساد، وحكم عليه بالسجن لثلاثين عاماً.

هذا يدخل في البنية اللاهوتية للتراث اليهودي، وهو ما استند اليه الحاخام آري شافات الذي افتى بأن الديانة اليهودية تبيح للمرأة استخدام جسدها لأغراض تتعلق بأمن اسرائيل.

كل ذلك لا يمكن أن يبرر التقصير المروع الذي حدث في نطنز، وحيث أجهزة الطرد المركزي الأكثر تطوراً. كيف يمكن أن يظهر تقني في هذه المنشأة، ويعمل لحساب الموساد؟ الحدث الذي أثار ذهولنا...

حتى أصحاب الدكاكين يتابعون عبر الكاميرات ما يدور عندهم على مدار الساعة. العميل زرع القنبلة، دون أن تدوي أجهزة الانذار ويلقى القبض عليه ؟

انها المرة الثالثة التي تستهدف فيها المنشأة، لتبدو المسألة اشد خطورة  من اغتيال «أبو القنبلة الايرانية» محسن فخري زادة، دون اغفال الحرائق، والتفجيرات، التي حصلت، تباعاً، في منشآت أخرى...

الايرانيون الذين يوصفون بالجدية، وبالحنكة، لم يتمكنوا من معالجة تلك الثغرات القاتلة فيما لم تستطع أجهزة كبرى الدخول الى مفاعل ديمونا، ولا الاقتراب من الصوامع التي تخزن فيها القنابل الاسرائيلية، الى أن كشف موردخاي عفنونو تلك الخبابا المثيرة الى صحيفة «الصنداي تايمز» في 5 تشرين الأول 1985 ، ليبادر الموساد، وينقله مخدراً من روما الى تل أبيب.  

الغاية واضحة من التصعيد الاسرائيلي. تفجير المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران حول العودة الى اتفاق فيينا. هذا تزامن مع ضغوط هائلة مارستها المؤسسة اليهودية على الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على شخصيات محورية في ايران، ابرزها قائد الحرس الثوري حسين سلامي بذريعة قمع التظاهرات عام 2019 !!

لماذا الآن، وفي ذروة المسعى الأوروبي لردم الفجوة بين واشنطن وطهران ؟ هذا يظهر الدور الأخطبوطي للمؤسسة اليهودية في السيطرة على السياسات الغربية. حكومة بنيامين نتنياهو ترى أن تطبيع العلاقات بين الأميركيين والايرانيين لا بد أن يؤدي الى الحد من دوراسرائيل التقليدي. دور العصا الغليظة في المنطقة.

المسألة ليست هنا وانما في الثغرات التي في الشبكة الأمنية الايرانية، وتحديداً حول البرنامج النووي، بالبعد التكنولوجي، والبعد الاستراتيجي، الفائق الحساسية. تلك السلسلة من الاختراقات حدثت في نظام يتعقب حتى دبيب النمل على الأرض، وتحت الأرض.

لا يكفي أن يقال لنا انه تم تجاوز آثار التفجير، وأن البحث جار عن الفاعل. أبعد بكثير من كل ذلك...