هل تكون الجولة التي قام بها وكيل وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية في الشرق الأوسط دايفيد هيل، في بيروت، المبادرة الديبلوماسية الأخيرة تجاه المسؤولين اللبنانيين، والذين تعتبرهم واشنطن معنيين بشكل مباشر أو غير مباشر عن وصول لبنان إلى الوضع الحالي من استحالة الإتفاق على الحدّ الأدنى من التفاهمات للسير في عملية تأليف الحكومة إلى الأمام؟

عن هذا السؤال، تجيب مصادر وزارية سابقة على تماس مع الإجتماعات التي أجراها هيل «المودّع» لمنصبه، بأن الرسالة الأميركية الأخيرة تختصر مجمل الرسائل والتحرّكات الديبلوماسية الغربية والعربية على حدٍّ سواء، والتي شهدتها الساحة اللبنانية على مدى الأشهر الماضية، بدءًا من المبادرة الفرنسية وصولاً إلى المساعي العربية الأخيرة، والتي ركّزت كلها على عنوان واحد تمحور حول تأمين الحلول للأزمتين السياسية والمالية. ومن أبرز ما حملته هذه الرسالة، هو التشديد على الحزم لدى الإدارة الأميركية الجديدة تجاه الوضع اللبناني بشكل عام، وليس فقط الملف الحكومي المتعثّر، أو ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، ذلك أن خلاصات لقاءات هيل مع القيادات السياسية، ستشكّل ورقة العمل التي ستناقشها الخارجية الأميركية، تمهيداً لاعتماد خطوات مستقبلية تجاه لبنان.

ومن هنا، تكشف المصادر نفسها، أن دور هيل أساسي ومحوري، وهو سيغادر موقعه، ولكن ما سيطرحه من أفكار وتصوّر للمشهد اللبناني، هو الذي سيُعتَمَد على روزنامة وزارة الخارجية الأميركية، وذلك، بغض النظر عن الأشخاص الذين سيتابعون من بعده هذه المهمّات. وتضيف المصادر نفسها، أن ما طرحه الموفد الأميركي بالنسبة لارتباط الملف اللبناني بالتفاهم الأميركي ـ الإيراني، يتقاطع مع رؤية العديد من المسؤولين في لبنان، وبالتالي، فإن الفصل ما بين هذين المسارين، قد حسمته واشنطن بانتظار أن يحصل هذا الحسم من قبل بيروت، مع العلم أن الخطوة الأولى على طريق إبعاد لبنان عن كل التجاذبات الدولية والإقليمية، يكون من خلال وحدة موقف سياسي لبناني على المرحلة الصعبة التي يجتازها لبنان، وخصوصاً أن من شأن هذه الوحدة أن تمنع أي مخطّطات لاستباحة الساحة اللبنانية واستخدامها كصندوق بريد «لرسائل متفجّرة» في أي صراع خارجي يجري حالياً. وفي موازاة هذه المقاربة التي تطرحها العاصمة الأميركية في بيروت، تعتبر المصادر الوزارية السابقة ذاتها، أن البيان الذي قرأه هيل حول الإهتمام الأميركي المستجدّ بلبنان، يحمل إشارتين بارزتين:

ـ الأولى أن العنوان اللبناني لم يكن مدرجاً على لائحة أولويات الرئيس الأميركي جو بايدن في الوقت الراهن، ولكن التدهور الخطر والدراماتيكي الذي تشهده الساحة اللبنانية، هو الذي دفع إلى تعديل جدول الأولويات الأميركية في المنطقة، فأتت جولة هيل قبل مغادرته موقعه بأيام من أجل الإفادة من سعة إلمامه واطلاعه على كل تفاصيل الواقع اللبناني.

ـ أما الإشارة الثانية، فهي التأكيد على أن ما بعد «الإنهيار» الفعلي، والذي بات وشيكاً، سيكون مفاجئاً لكل الأطراف المحلية التي لا زالت منشغلة بانقساماتها السياسية، لأن ما من جهة خارجية غربية أو عربية ستلتفت إلى الأزمة اللبنانية، وستترك اللبنانيين يواجهون منفردين نتائج تردّدهم وعجزهم عن تشكيل حكومة، بصرف النظر عن ملاحظات هذا الفريق أو ذاك، أو الإعتبارات المطروحة، والتي هي بمجملها سياسية في مقاربة الملف الحكومي.